واشنطن تدفع الناتو لبحث أمن هرمز وسط تهديد إيراني
أمن هرمز يفرض نفسه على قمة الناتو
تتجه الأنظار إلى قمة حلف شمال الأطلسي المقررة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، بعدما أكدت تقارير صادرة قبيل الاجتماع أن الولايات المتحدة ستضغط على حلفائها لزيادة مساهمتهم في حماية الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ويأتي ذلك في توقيت شديد الحساسية، مع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، وبعد هدنة وُصفت بالهشة في المواجهة الأخيرة.
ووفق البرنامج الإعلامي المنشور من حلف الناتو، تستضيف أنقرة القمة على مدى يومين، فيما يتصدر ملفا الأمن الجماعي والإنفاق الدفاعي جدول الأعمال، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وتداعيات التوترات في الشرق الأوسط. كما أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيعقد على هامش القمة لقاءات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس السوري أحمد الشرع.
بالنسبة للقارئ المصري، لا يبدو مضيق هرمز ملفاً بعيداً جغرافياً فقط؛ فاضطراب الملاحة في هذا الممر ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة البحرية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بكلفة النقل والإنتاج في المنطقة، بما فيها أسواق شمال أفريقيا وشرق المتوسط.
رسالة أمريكية للحلفاء: قدرات بحرية أكبر
الموقف الأمريكي الذي سُرب قبل القمة يركز على نقطة محددة: حلفاء الناتو أبدوا استعداداً سياسياً للمساهمة في تأمين المرور البحري، لكن كثيراً منهم لا يملكون السفن أو الأصول العسكرية البحرية الكافية للمشاركة بفاعلية في أي جهد ملموس داخل هرمز. لذلك تسعى واشنطن إلى تحويل النقاش من مجرد تأييد سياسي إلى التزام بقدرات فعلية، سواء عبر سفن مراقبة، أو دعم لوجستي، أو آليات ردع وتأمين للملاحة.
هذا التوجه ينسجم مع المسار الذي أقره الحلف في إعلان لاهاي 2025، حيث اتفقت الدول الأعضاء على رفع الإنفاق المتصل بالدفاع والأمن إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، موزعة إلى 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية و1.5% للإنفاق المرتبط بالأمن والدفاع والمرونة والبنية الصناعية. ومن المتوقع أن تراجع قمة أنقرة مدى تقدم الحلفاء في تنفيذ هذا الالتزام، وسط إلحاح أمريكي واضح على تسريع الوتيرة.
إيران: الهدنة ليست تراجعاً
في المقابل، حملت الرسائل الصادرة من طهران نبرة حادة. فخلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، قال المتحدث العسكري الإيراني العميد محمد أكرمي نيا إن بلاده تستفيد من فترة وقف إطلاق النار لتعزيز قدراتها القتالية، محذراً من أن أي “خطأ” من جانب الخصوم سيقابله رد حاسم من القوات المسلحة الإيرانية.
وتأتي هذه التصريحات في سياق داخلي مشحون داخل إيران، حيث بدأت مراسم تشييع خامنئي في 4 يوليو 2026، على أن تمتد عدة أيام، بعد أشهر من مقتله في الحرب الأخيرة. وأفادت تقارير دولية بأن تيارات متشددة في الداخل الإيراني تضغط باتجاه موقف أكثر صرامة تجاه واشنطن، وترفض تقديم تنازلات سياسية في هذا التوقيت، بينما تستمر جهود الوساطة لإعادة إحياء المسار التفاوضي.
في الوقت نفسه، تشير المعطيات الأمريكية إلى أن المفاوضات مع طهران معلقة حالياً، وأن استئنافها لم يُحسم بعد من حيث التوقيت أو المكان. هذا التعليق يزيد من حساسية قمة أنقرة، لأن أي انتكاسة ميدانية أو فشل دبلوماسي قد يحول قضية هرمز من ملف أمني للنقاش إلى أزمة مفتوحة تهدد إمدادات الطاقة عالمياً.
لماذا يبقى مضيق هرمز محورياً؟
تنبع أهمية مضيق هرمز من أنه ليس مجرد معبر بحري ضيق، بل شريان استراتيجي تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، عبر المضيق في عام 2025 متوسط يناهز 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، كما مرّت عبره نسبة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وتصفه إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأنه أهم نقطة اختناق نفطي في العالم.
لهذا، فإن أي اضطراب في هرمز لا يمس الخليج وحده، بل يضغط على أسواق الشحن والتأمين والطاقة من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا. ومن زاوية أفريقية، فإن الدول المستوردة للطاقة أو المعتمدة على سلاسل توريد بحرية طويلة ستكون من بين الأكثر تأثراً بالتقلبات، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو زيادة كلفة التأمين والنقل.
- يمر عبر هرمز جزء ضخم من صادرات النفط الخليجية المتجهة إلى الأسواق العالمية.
- البدائل المتاحة لبعض الدول المنتجة موجودة لكنها محدودة ولا تعوض كامل التدفقات.
- أي تصعيد أمني يرفع فوراً مخاطر الشحن البحري وأسعار التأمين والطاقة.
أوروبا بين ضغطين: إيران وترامب
المعضلة الأوروبية في قمة أنقرة لا تتعلق بإيران وحدها. فهناك أيضاً خشية من أن يستخدم ترامب القمة لتوجيه انتقادات جديدة إلى العواصم الأوروبية بدعوى أنها لا تتحمل ما يكفي من أعباء الدفاع، سواء داخل أوروبا أو في المسارح البحرية الحساسة مثل هرمز. وتزداد هذه الحساسية لأن واشنطن تربط بوضوح بين أمن الممرات الحيوية وبين ضرورة امتلاك الحلفاء قدرات عسكرية قابلة للاستخدام الفوري.
وبحسب ما أكدته أسوشيتد برس، فإن ترامب يدخل القمة حاملاً ملفات متشابكة: أوكرانيا، وسوريا، والعلاقة مع تركيا، إلى جانب التوترات الأوسع في الشرق الأوسط. هذا التشابك يعني أن ملف هرمز قد يتحول إلى معيار لقياس مدى انسجام الحلف، لا سيما إذا حاولت واشنطن دفع الأوروبيين إلى أدوار بحرية أكبر بينما يفضل بعضهم تجنب الانخراط المباشر.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر والمنطقة؟
رغم أن الخبر يدور حول الناتو وإيران، فإن أثره الإقليمي أوسع بكثير. فمصر، بحكم موقعها على خطوط التجارة العالمية وارتباطها بحركة الطاقة والنقل عبر البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس، تتابع أي توتر في هرمز بجدية. ارتفاع مخاطر الملاحة في الخليج قد يعيد رسم مسارات الشحن، ويؤثر على كلفة الواردات والطاقة، كما ينعكس على توازنات الأمن البحري في جوار عربي وأفريقي شديد الحساسية.
ومن هذه الزاوية، تبدو قمة أنقرة اختباراً مزدوجاً: هل ينجح الناتو في صياغة مقاربة بحرية أكثر تنظيماً من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع؟ وهل تستطيع الهدنة الحالية بين واشنطن وطهران الصمود بما يكفي لإعادة فتح باب التفاوض؟ حتى الآن، المؤكد أن مضيق هرمز عاد إلى قلب معادلة الأمن الدولي، وأن أي قرار يصدر من أنقرة قد تتردد أصداؤه سريعاً في أسواق الطاقة وموانئ المنطقة، من الخليج إلى شرق أفريقيا وشمالها.