Akhbar Cairo

واشنطن تراجع رواية إسرائيل بعد ضربات لبنان الأخيرة

تصعيد جديد في لبنان يفتح باب المراجعة الأمريكية

أعادت الضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي اللبنانية ملف الحدود الشمالية لإسرائيل إلى صدارة المتابعة الأمريكية، بعدما طلبت واشنطن إيضاحات بشأن خلفيات العمليات وتوقيتها وأهدافها، وفق ما أوردته تقارير متقاطعة في الإعلام الغربي والعبري. وفي المقابل، قدمت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو روايتها بأن التحرك العسكري جاء رداً على تهديدات مرتبطة بـحزب الله، وبهدف منع هجمات على شمال إسرائيل.

هذا التطور لا يمكن فصله عن الوضع الهش الذي يسيطر على جنوب لبنان منذ تفاهم وقف الأعمال العدائية المعلن في 26 نوفمبر 2024، وهو التفاهم الذي جرى دعمه أمريكياً وتابعه لاحقاً إطار تنسيقي تشارك فيه الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل إلى جانب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل. ورغم ذلك، تؤكد الأمم المتحدة أن الانتهاكات لم تتوقف، سواء عبر الضربات الجوية أو استمرار التوتر على الخط الأزرق.

ماذا طلبت واشنطن من إسرائيل؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن الإدارة الأمريكية سعت إلى الحصول على شرح مباشر من تل أبيب حول مبررات الضربات، خصوصاً في ضوء حساسية أي تحرك عسكري قد يدفع نحو جولة تصعيد أوسع في لبنان. وفي تقارير منشورة خلال 2026، أفادت وسائل إعلام أمريكية بأن إسرائيل أبلغت الجانب الأمريكي في بعض الضربات قبل تنفيذها أو قبيلها بفترة قصيرة، فيما بقيت واشنطن حريصة على معرفة ما إذا كانت تلك العمليات تتسق مع تفاهمات التهدئة القائمة.

أهمية هذا الاستيضاح الأمريكي لا تتعلق فقط بالعلاقة الثنائية مع إسرائيل، بل أيضاً بموقع واشنطن كطرف راعٍ للترتيبات الأمنية التي يفترض أن تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة على الجبهة اللبنانية. ومن منظور مصري وعربي، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية لأن أي انفجار واسع في جنوب لبنان ستكون له تداعيات مباشرة على أمن شرق المتوسط وحركة الملاحة والاقتصاد الإقليمي، فضلاً عن الضغط الإنساني على الداخل اللبناني.

الرواية الإسرائيلية: استهداف حزب الله ومنع التهديد

الجانب الإسرائيلي تمسك، بحسب التقارير المنشورة، بأن الضربات استهدفت بنى أو عناصر مرتبطة بحزب الله، وأنها جاءت في إطار ما تصفه تل أبيب بـالدفاع عن النفس ومنع تهديدات آتية من الأراضي اللبنانية. هذا الخطاب ليس جديداً، لكنه اكتسب زخماً أكبر بعد تكرار الحوادث الحدودية وعودة الحديث عن مواقع، ومخازن، ومراكز قيادة تقول إسرائيل إنها تستخدم في الإعداد لهجمات أو في دعم النشاط العسكري للحزب.

في المقابل، يظل هذا التبرير محل تدقيق دولي، لأن أي استخدام للقوة في لبنان يجري تقييمه أيضاً على أساس التزام الأطراف بترتيبات وقف النار وبالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي ينص على وقف الأعمال القتالية، واحترام الخط الأزرق، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية جنوب الليطاني، مع وجود منطقة خالية من السلاح غير الشرعي بين الخط الأزرق ونهر الليطاني تحت إشراف الدولة اللبنانية ويونيفيل.

الأمم المتحدة: الانتهاكات مستمرة والتهدئة غير مكتملة

الموقف الأممي يضيف طبقة مهمة إلى المشهد. فبعثة يونيفيل أكدت في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026 استمرار العنف والمخاطر الأمنية في الجنوب اللبناني، بينما شدد مجلس الأمن عند تمديد مهمة القوة الدولية في 2025 على وجود انتهاكات متواصلة لترتيبات 26 نوفمبر 2024، بما في ذلك الضربات الجوية والطائرات المسيّرة داخل لبنان.

كما دعت الأمم المتحدة إسرائيل إلى الانسحاب من المواقع الخمسة التي ما زالت تحتفظ بها شمال الخط الأزرق داخل الأراضي اللبنانية، ودعت السلطات اللبنانية إلى بسط سيادتها الكاملة ونشر الجيش على نحو أوسع. وهذه النقطة بالذات محورية، لأن أي تأخير في تنفيذ الالتزامات المتبادلة يترك المجال مفتوحاً أمام تفسيرات متضاربة لكل حادث أمني جديد.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، لا يُنظر إلى ما يجري في جنوب لبنان باعتباره شأناً حدودياً محلياً فقط، بل ملفاً متصلاً بخريطة الأمن في المشرق وشرق المتوسط. فكل موجة تصعيد بين إسرائيل وحزب الله ترفع منسوب القلق في المنطقة، وتؤثر على مسارات التفاوض الإقليمي، كما تضغط على الاقتصاد اللبناني الهش، وهو ما ينعكس بدوره على بيئة عربية أوسع تعاني بالفعل من أزمات متشابكة.

كذلك، فإن الدور الأمريكي في هذه الأزمة يتقاطع مع ملفات أخرى، من بينها مستقبل التهدئة في غزة، ومكانة إيران في معادلات الردع الإقليمي، وحدود قدرة القوى الدولية على تثبيت اتفاقات أمنية من دون معالجة الجذور السياسية للصراع. ومن هنا، فإن متابعة القاهرة والعواصم العربية لهذا المسار ليست تفصيلاً، بل جزء من قراءة أوسع لتوازنات الإقليم.

بين الضغط الأمريكي والحسابات الإسرائيلية

اللافت أن واشنطن، رغم استمرار دعمها الأمني والسياسي لإسرائيل، تبدو حريصة على منع توسع الاشتباك في لبنان. وقد ظهر ذلك منذ المفاوضات التي سبقت تفاهم نوفمبر 2024، ثم في الاجتماعات اللاحقة الخاصة بدعم الجيش اللبناني وتثبيت آلية التنفيذ. الولايات المتحدة أعلنت في يناير 2025 توسيع المساعدة الأمنية المرتبطة بتمكين لبنان من تنفيذ ترتيبات وقف الأعمال العدائية، ما يعكس رغبة أمريكية في أن تصبح مؤسسات الدولة اللبنانية، لا سيما الجيش، صاحبة اليد الأعلى ميدانياً.

لكن على الأرض، تبقى المعادلة أكثر تعقيداً. إسرائيل تريد حرية حركة أوسع ضد ما تعتبره تهديداً مباشراً من حزب الله، بينما يرفض لبنان تحويل أراضيه إلى ساحة ضربات مفتوحة، وتصر الأمم المتحدة على أن الحل الدائم لا يكون إلا عبر تطبيق القرار 1701 بالكامل. وبين هذه المواقف، تتحرك واشنطن كجهة ضغط ووساطة في آن واحد.

ما الذي قد يحدث لاحقاً؟

سيناريوهات المرحلة المقبلة

  • احتواء محدود للتصعيد: إذا اقتنعت واشنطن بالرواية الإسرائيلية ضمن حدود معينة، قد يقتصر الأمر على ضغوط دبلوماسية لمنع تكرار الضربات الواسعة.
  • تشديد الرقابة السياسية: إذا رأت الولايات المتحدة أن بعض العمليات تهدد تفاهمات 2024، فقد تزيد وتيرة الاستيضاحات والاتصالات وربما التحذيرات العلنية.
  • عودة التفاوض الأمني: قد تدفع التطورات إلى تنشيط آلية المتابعة الخماسية المرتبطة بوقف الأعمال العدائية، مع دور أكبر ليونيفيل والجيش اللبناني.
  • مخاطرة الانفجار الأوسع: وهو السيناريو الأخطر إذا تراكمت الضربات والردود المتبادلة خارج أي سقف سياسي ضابط.

خلاصة المشهد

الرسالة الأبرز من هذا التطور أن لبنان ما زال نقطة اختبار حساسة للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فكل غارة إسرائيلية جديدة لا تُقرأ فقط بوصفها عملاً عسكرياً ميدانياً، بل أيضاً باعتبارها اختباراً لمدى صمود تفاهمات وقف الأعمال العدائية، ولقدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع حليفتها في ملف شديد القابلية للاشتعال.

وفي ظل استمرار الحديث عن تهديدات حزب الله، وبقاء مواقع التوتر مفتوحة جنوب لبنان، واعتراف الأمم المتحدة نفسه بأن الانتهاكات ما زالت مستمرة، يبدو أن المنطقة أمام مرحلة عنوانها الهدوء الهش تحت المراقبة الأمريكية، لا السلام المستقر. وهذا يعني أن أي حادث جديد قد يعيد خلط الأوراق سريعاً، ويجعل لبنان مرة أخرى في قلب معادلة أمنية تتجاوز حدوده إلى الإقليم بأكمله.