واشنطن ترفض مزاعم الحرس الثوري بشأن السيطرة على هرمز
واشنطن ترد على مزاعم إيرانية بشأن مضيق هرمز
عادت قضية مضيق هرمز إلى واجهة التوتر الإقليمي، بعدما رفضت القيادة المركزية الأميركية مزاعم منسوبة إلى قائد القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني بشأن سيطرة طهران على هذا الممر البحري الحيوي. ووفق ما أوردته تقارير متطابقة، شددت واشنطن على أن حركة العبور في المضيق مستمرة، وأن القوات الأميركية بالتنسيق مع شركاء إقليميين تواصل دعم مرور شحنات الطاقة والتجارة عبره.
أهمية هذا السجال لا تتوقف عند البعد العسكري فقط، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي في المنطقة الأوسع التي تتابعها القاهرة باهتمام، خصوصاً مع ارتباط أسواق الطاقة العالمية بأسعار الوقود والشحن والتأمين، وهي ملفات تنعكس بصورة غير مباشرة على اقتصادات أفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك مصر.
ماذا قالت الولايات المتحدة؟
بحسب ما نُقل عن القيادة المركزية الأميركية CENTCOM، فإن واشنطن نفت بصورة مباشرة أي ادعاء بأن الحرس الثوري يفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز. كما أكدت أن القوات الأميركية ساعدت، مع شركاء من المنطقة، في عبور أكثر من 19 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق خلال يوم واحد، في إشارة إلى استمرار تدفق الإمدادات رغم التصعيد السياسي والعسكري المحيط بالممر البحري.
وتنسجم هذه الرسالة مع مواقف أميركية أوسع صدرت خلال الأشهر الماضية، إذ أوضحت بيانات رسمية سابقة من القيادة المركزية أن القوات الأميركية شاركت منذ مايو 2026 في تسهيل مرور مئات السفن التجارية ومئات الملايين من براميل النفط عبر المضيق، في إطار عمليات تهدف إلى حماية حرية الملاحة ومنع تعطيل التجارة الدولية.
خلفية التصريحات الإيرانية
الطرف الإيراني دأب خلال الشهور الماضية على توجيه رسائل تشدد على امتلاكه أوراق ضغط في مياه الخليج ومضيق هرمز، خاصة عبر بحرية الحرس الثوري التي ارتبط اسمها طويلاً بتكتيكات الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية. وكان اسم القائد الإيراني علي رضا تنكسيري قد برز خلال هذه المرحلة بوصفه من أبرز الوجوه العسكرية المرتبطة بالملف البحري الإيراني، قبل أن تتحدث تقارير منشورة في مارس 2026 عن مقتله خلال تطورات عسكرية مرتبطة بالمواجهة الإقليمية.
وفي ضوء هذا السياق، يبدو أن الرد الأميركي لم يكن مجرد نفي إعلامي، بل رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن ميزان السيطرة الفعلية على الممرات الدولية لا يُحسم بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الأطراف على إبقاء الملاحة مفتوحة وآمنة أمام السفن التجارية.
لماذا يُعد مضيق هرمز بالغ الحساسية؟
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم. وتشير تقديرات بحثية ورسمية أميركية إلى أن المضيق ينقل نحو خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، بينما تحدثت بيانات أميركية أخرى هذا العام عن مرور ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية عبره، إضافة إلى شحنات وقود ومنتجات بتروكيماوية وأسمدة.
أي اضطراب في هذا الشريان ينعكس بسرعة على:
- أسعار النفط العالمية وما يرتبط بها من تكلفة الطاقة.
- تكاليف التأمين البحري على الناقلات والسفن التجارية.
- سلاسل الإمداد التي تعتمد على مرور منتظم وآمن بين الخليج والأسواق العالمية.
- اقتصادات الدول المستوردة في أفريقيا والشرق الأوسط التي تتأثر بارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
التصعيد البحري في 2026
شهد عام 2026 تصعيداً لافتاً في ملف الملاحة بالخليج، إذ أعلنت القيادة المركزية الأميركية في مايو بدء دعم عملية سمتها Project Freedom بهدف استعادة حرية الملاحة للسفن التجارية في المضيق. ثم تحدثت بيانات لاحقة عن تنفيذ ضربات ضد قدرات إيرانية بحرية وصاروخية قالت واشنطن إنها استُخدمت في تهديد السفن التجارية.
وفي يوليو 2026، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها استهدفت مراكز قيادة وقدرات بحرية ومواقع صواريخ وطائرات مسيّرة داخل إيران أو مرتبطة بها، مؤكدة أن الهدف هو تقليص القدرة على مهاجمة السفن العابرة لهرمز. كما قالت في بيان رسمي إنها ساعدت منذ أوائل مايو في عبور نحو 900 سفينة تجارية وأكثر من 450 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق.
وفي الأيام الأخيرة، استمرت تقارير دولية في رصد تهديدات للملاحة في المنطقة، بما يعكس أن ملف هرمز لم يخرج بعد من دائرة الخطر، حتى مع استمرار عبور السفن فعلياً.
ماذا يعني ذلك للمنطقة وللقارئ المصري؟
من منظور أفريقي وإقليمي، تتابع العواصم العربية والأفريقية تطورات هرمز ليس باعتباره نزاعاً بعيداً، بل كعامل مباشر في استقرار أسواق الطاقة والشحن. بالنسبة لمصر، التي ترتبط بقوة بحركة التجارة العالمية وبملف أمن البحر الأحمر وقناة السويس، فإن أي توتر ممتد في الممرات البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر يظل محل متابعة دقيقة، لأن كلفة النقل وسلامة الإمدادات عنصران أساسيان في الاقتصاد والتجارة.
كما أن استمرار التوتر في هرمز يسلط الضوء على الترابط بين أمن الممرات البحرية في الخليج وأمن السواحل الأفريقية والبحر الأحمر، وهو ما يمنح القصة بُعداً مناسباً لقسم أفريقيا، خصوصاً مع اعتماد كثير من الدول الأفريقية على استيراد الطاقة أو على خطوط تجارة تتأثر بقرارات الشحن العالمية.
بين الحرب النفسية والوقائع الميدانية
اللافت في الخطاب الأميركي الأخير أنه سعى إلى تفنيد الرواية الإيرانية بلغة الأرقام: عدد البراميل التي عبرت، واستمرار حركة الملاحة، والتأكيد على وجود شركاء إقليميين في تأمين العبور. وفي المقابل، تستند طهران عادة إلى موقعها الجغرافي وإلى قدراتها غير التقليدية في البحر لتأكيد أنها تملك قدرة ردع فعالة.
لكن القراءة العملية تشير إلى أن السؤال الأهم ليس من يطلق التصريح الأكثر حدة، بل من يستطيع فعلاً فرض معادلة دائمة على الأرض أو في البحر. وحتى الآن، تظهر البيانات الأميركية أن الملاحة لم تتوقف، وأن عبور النفط لا يزال قائماً، رغم استمرار المخاطر والتهديدات.
خلاصة المشهد
الرد الأميركي على تحدي الحرس الثوري أعاد تثبيت نقطة أساسية: مضيق هرمز لا يزال ساحة صراع على النفوذ والردع، لكنه لم يتحول إلى ممر مغلق تحت سيطرة طرف واحد. وبين رسائل طهران ومحاولات واشنطن طمأنة الأسواق والحلفاء، يبقى هذا المضيق أحد أكثر المواقع حساسية في العالم، وأي تطور فيه يتجاوز الخليج إلى أفريقيا وأسواق الطاقة الدولية بأكملها.
في المحصلة، تظل حرية الملاحة في هرمز اختباراً يومياً لقدرة القوى الكبرى والإقليمية على إدارة التصعيد من دون دفع المنطقة إلى مواجهة أوسع، وهي معادلة تتابعها القاهرة والعواصم الأفريقية عن كثب لما لها من أثر مباشر على الاقتصاد والاستقرار الإقليمي.