واشنطن تضغط لفتح هرمز بالكامل وتواصل التفاوض مع طهران
تحرك أمريكي جديد لإعادة الاستقرار إلى مضيق هرمز
تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت مبدأ العبور الحر في مضيق هرمز عبر مسار تفاوضي غير مباشر مع إيران، في وقت ما زال فيه هذا الممر البحري الحساس يمثل العقدة الأبرز في أي تفاهم أوسع بين الطرفين. وخلال الأيام الأخيرة، استضافت الدوحة جولة اتصالات جديدة جمعت وسطاء قطريين وباكستانيين مع وفدين أمريكي وإيراني كل على حدة، من دون لقاء مباشر بين الجانبين، بحسب ما أعلنته وزارة الخارجية القطرية وما أوردته وكالة أسوشيتد برس.
التحرك الأمريكي جاء في توقيت شديد الحساسية، بعدما تصاعد التوتر حول الملاحة في المضيق، تزامنًا مع استمرار ترتيبات تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران، وهو ما دفع إلى تأجيل أي لقاءات لاحقة رفيعة المستوى إلى ما بعد انتهاء مراسم الجنازة، وفق ما قاله المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري.
ما الذي تريده واشنطن من مفاوضات هرمز؟
الرسالة الأمريكية الأساسية تبدو واضحة: إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام السفن التجارية وناقلات النفط والغاز، ومنع فرض ترتيبات جديدة تُقيد المرور أو تفرض رسوما على العبور. أسوشيتد برس نقلت أن التفاهم المؤقت بين واشنطن وطهران تضمن حرية المرور في المضيق لفترة 60 يومًا، على أن تُستكمل خلال هذه المهلة مناقشة ملفات أوسع وأكثر تعقيدًا.
لكن العقبة الرئيسية أن إيران لا تنظر إلى الملف باعتباره مجرد ممر دولي مفتوح، بل تعتبر أنها صاحبة اليد العليا في تنظيم الحركة داخله. ووفق شرح أسوشيتد برس، فإن طهران أصرت على أن تظل لها سلطة إدارة المسارات البحرية، وهو ما تعتبره واشنطن وعدد من دول الخليج مسألة غير مقبولة إذا تحولت إلى أداة ضغط سياسي أو أمني.
قطر في قلب الوساطة
الدوحة تؤدي دورًا محوريًا في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. فقد أكد ماجد بن محمد الأنصاري، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية، في 30 يونيو 2026، استمرار الاجتماعات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران من دون محادثات مباشرة رفيعة المستوى، مع تشديد قطر على أن مضيق هرمز ممر مائي دولي يجب ألا تعترضه أي عوائق أمام حرية الملاحة. كما سبق للدوحة أن أعلنت رفضها استخدام المضيق كوسيلة ضغط سياسي.
لماذا يُعد مضيق هرمز بهذه الأهمية؟
أهمية الأزمة لا تتعلق فقط بالخلاف الأمريكي الإيراني، بل بثقل المضيق نفسه في خريطة الطاقة العالمية. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، مر عبر مضيق هرمز في عام 2025 متوسط يقارب 20 مليون برميل يوميًا من الخام والمنتجات النفطية، كما عبره نحو 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، بما يعادل قرابة 34% من تجارة النفط الخام العالمية. وتوضح الوكالة أن دولًا مثل إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين تعتمد بدرجات كبيرة على هذا الممر لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها النفطي.
كما تصف إدارة معلومات الطاقة الأمريكية المضيق بأنه أهم نقطة اختناق نفطية في العالم، مشيرة إلى أن البدائل البرية والأنابيب المتاحة لتجاوز هرمز محدودة، وتتركز خصوصًا لدى السعودية والإمارات. وهذا يفسر لماذا ينعكس أي اضطراب في المضيق بسرعة على الأسعار والتأمين والشحن البحري.
التوتر الميداني لم ينته بعد
رغم الحديث عن تقدم إيجابي في المحادثات، فإن الوقائع الميدانية تُظهر أن الوضع لم يستقر تمامًا. ففي 3 يوليو 2026، ذكرت أسوشيتد برس أن القيادة العسكرية الإيرانية المشتركة حذرت جميع ناقلات النفط من ضرورة الالتزام بالمسارات التي توافق عليها طهران داخل المضيق، ملوحة بـرد قوي ضد أي سفينة لا تلتزم بهذه التعليمات. كما أُشير إلى أن عدد السفن العابرة عاد للارتفاع، إذ بلغ 258 سفينة خلال أسبوع مقارنة بـ138 سفينة في الأسبوع السابق، رغم بقاء المخاطر الأمنية مرتفعة.
وفي المقابل، تتمسك واشنطن ومعها عدد من الدول الخليجية بموقف يعتبر أن أي ترتيبات تتجاوز حرية العبور التقليدية ستعني تكريس واقع جديد في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. هذا التباين هو ما يجعل مفاوضات الدوحة مهمة، لكنه أيضًا ما يفسر بطء التقدم فيها.
من يقود الجانب الأمريكي؟
الوفد الأمريكي الذي وصل إلى قطر ضم ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، إلى جانب جاريد كوشنر. ووفق أسوشيتد برس، جاء حضورهما إلى الدوحة لمتابعة تنفيذ تفاهم أولي والسعي إلى تثبيت وقف التصعيد وفتح الطريق أمام اتفاق أوسع، بينما مثل الجانب الإيراني فريق بقيادة المسؤول الإيراني كاظم غريب آبادي في الاجتماعات غير المباشرة مع الوسطاء.
ماذا تعني الأزمة بالنسبة إلى مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو قضية هرمز بعيدة جغرافيًا فقط، بل متصلة مباشرة بحركة التجارة والطاقة في المنطقة الأوسع. فكل اضطراب في شحنات النفط والغاز الخارجة من الخليج ينعكس على مسارات النقل البحري وأسعار الطاقة وتكلفة التأمين، وهي عناصر تمس سلاسل الإمداد في المنطقة العربية كلها. كما أن مصر تتابع عن قرب أي تغير في حركة الملاحة الإقليمية بحكم موقع قناة السويس كممر رئيسي للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، أكدت هيئة قناة السويس في مايو 2025، على لسان الفريق أسامة ربيع، أن الهيئة تعمل على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والعالمية، مع مواصلة تطوير المجرى الملاحي ورفع مستويات الأمان والخدمات البحرية. كما شدد على أن الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر باتت أكثر ملاءمة لعودة السفن تدريجيًا إلى الإبحار عبر القناة.
ومن زاوية الطاقة أيضًا، تبرز أهمية خط سوميد بالنسبة لمصر والمنطقة. فقد أكدت الهيئة العامة للاستعلامات في فبراير 2026 أن خط أنابيب سوميد لا يزال مسارًا رئيسيًا لنقل الخام الخليجي إلى الأسواق العالمية، وهو ما يعزز مكانة مصر في معادلة أمن الطاقة الإقليمي عندما تتعرض الممرات البحرية للضغط أو الاضطراب.
السيناريوهات المحتملة
المشهد الحالي يشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية:
- أولًا: نجاح الوساطة القطرية في تثبيت ترتيبات مؤقتة تضمن استمرار العبور من دون صدامات جديدة.
- ثانيًا: استمرار التفاوض مع بقاء التوتر الميداني، بما يعني تقلبًا في الشحن وأسعار الطاقة من دون إغلاق كامل.
- ثالثًا: تعثر المحادثات ودخول المنطقة في موجة ضغط متبادل أشد، وهو السيناريو الأكثر كلفة على الأسواق وعلى الدول العربية المستوردة والمصدرة للطاقة معًا.
حتى الآن، ترجح المؤشرات أن واشنطن لا تزال تفضل الحل التفاوضي على أي مسار آخر، مع إصرارها على أن يبقى مضيق هرمز مفتوحًا بالكامل. أما إيران، فترى أن أي تسوية يجب أن تعترف بدورها في إدارة هذا الشريان البحري. وبين هذين الموقفين، تبقى الدوحة ساحة الوساطة الأهم، فيما تراقب العواصم العربية، ومنها القاهرة، تطورات ملف لا يخص الخليج وحده، بل يمتد أثره إلى التجارة والطاقة والاستقرار في المنطقة بأسرها.