واشنطن تطلب ردا مكتوبا من الناتو بشأن القوات في أوروبا
مشاورات أمريكية جديدة داخل الناتو
دخلت المراجعة الأمريكية للوجود العسكري في أوروبا مرحلة أكثر وضوحا، بعدما استضاف مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل، يوم الخميس 27 أغسطس 2026، اجتماعا جمع الأمين العام للحلف مارك روته مع وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسات إلبريدج كولبي. وبحسب ما أعلنه الناتو، فإن اللقاء شمل أيضا مجلس شمال الأطلسي، أي سفراء الدول الأعضاء، وتركز على مسار تعزيز الردع والدفاع داخل الحلف، إلى جانب إحاطة قدمها المسؤول الأمريكي بشأن المراجعة الجارية لتموضع القوات الأمريكية في القارة الأوروبية.
الرسالة الأساسية التي حملها الجانب الأمريكي كانت مباشرة: واشنطن تريد من الحلفاء تقديم تصورات مكتوبة، لا مجرد مواقف سياسية عامة، حول كيفية تحملهم نصيبا أكبر من مسؤولية الدفاع التقليدي عن أوروبا. كولبي أوضح، في تصريحات نقلتها وكالات أنباء وتقارير غربية، أن الإدارة الأمريكية طلبت مدخلات “مباشرة وكتابيا” من دول الحلف، عبر استبيان وُزّع بالفعل على الأعضاء، وأن عددا من الردود وصل بالفعل إلى واشنطن تمهيدا لتقييمه.
لماذا تراجع واشنطن انتشارها العسكري؟
التحرك لا يعني انسحابا أمريكيا فوريا من أوروبا، لكنه يعكس إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية الأمريكية. فخلال الأشهر الماضية، أكدت إدارة واشنطن مرارا أن تركيزها الأمني لم يعد محصورا في الجبهة الأوروبية، بل يمتد أيضا إلى المحيطين الهندي والهادئ ومناطق تعتبرها أكثر إلحاحا في المنافسة الدولية. هذا التوجه ظهر بوضوح في تصريحات أمريكية سابقة حول ضرورة أن تتولى الدول الأوروبية العبء الأكبر في الدفاع التقليدي عن أراضيها.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور تتجاوز أوروبا نفسها. فكل تعديل في توزيع القوة الأمريكية بين المسارح الدولية يترك أثرا على توازنات أوسع تمس المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا، وملفات الطاقة والهجرة والأمن البحري. لذلك، فإن أي تغيير في علاقة واشنطن بالناتو يظل تطورا جديرا بالمتابعة في سياق القارة الأفريقية ومحيطها الإستراتيجي الأوسع.
روته يحاول طمأنة الحلفاء
الأمين العام للناتو مارك روته لم يُظهر، حتى الآن، لهجة تصادمية تجاه المراجعة الأمريكية. على العكس، دأب خلال العامين الأخيرين على التأكيد أن الحلف بحاجة إلى توزيع “أكثر عدلا” للأعباء بين ضفتي الأطلسي، وأن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي لم تعد خيارا سياسيا مؤجلا بل ضرورة عملياتية. كما شدد في مناسبات سابقة على أن أوروبا لا تستطيع، في المدى المنظور، الاستغناء عن المظلة الأمريكية، لكن ذلك لا يعفيها من رفع جاهزيتها العسكرية والمالية.
وفي هذا السياق، يكتسب اجتماع بروكسل أهمية خاصة لأنه جاء بعد أقل من عام على تولي روته منصبه على رأس الحلف، وفي لحظة يختبر فيها الناتو قدرته على التكيف مع ضغوط أمريكية متصاعدة من دون إظهار انقسام علني داخل المؤسسة العسكرية الغربية الأكبر في العالم.
الاستبيان الأمريكي: ما الذي تريده واشنطن من الحلفاء؟
المعلومات المتاحة تشير إلى أن الاستبيان الأمريكي لا يقتصر على سؤال واحد يتعلق بعدد الجنود أو القواعد، بل يمتد إلى قضايا أوسع تشمل الإنفاق الدفاعي، وخطط التسلح، والمشتريات العسكرية، ومدى توافق أولويات الحلفاء مع الرؤية الأمريكية للأمن عبر الأطلسي. بكلمات أخرى، تريد واشنطن معرفة ما إذا كانت العواصم الأوروبية مستعدة فعلا لسد أي فجوات قد تنشأ إذا أعيد نشر جزء من القوات أو القدرات الأمريكية خارج أوروبا.
هذا النوع من المشاورات يعكس انتقال النقاش داخل الناتو من مستوى التصريحات العامة إلى مستوى الالتزامات القابلة للقياس. ومن المرجح أن تستخدم واشنطن الردود المكتوبة لتحديد الدول الأكثر استعدادا لتحمل أدوار أكبر، والدول التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الوجود العسكري الأمريكي المباشر.
خلفية مالية وعسكرية ضاغطة
تتزامن هذه المشاورات مع تحول مهم في سياسة الإنفاق الدفاعي داخل الناتو. فالحلف أعلن بعد قمة لاهاي في يونيو 2025 التزاما جديدا يرفع سقف الاستثمار الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، بواقع 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية و1.5% لبنود مرتبطة بالأمن والدفاع مثل البنية التحتية والمرونة وحماية الشبكات. هذا القرار عُدّ حينها مؤشرا على أن الحلفاء الأوروبيين باتوا يدركون أن الضمانات الأمريكية لم تعد تُفهم باعتبارها شيكا مفتوحا بلا مقابل.
كما أن وزراء دفاع الناتو كانوا قد اتفقوا في 5 يونيو 2025 على أهداف قدرات جديدة لتعزيز الجاهزية العسكرية للحلف. وهذه الأهداف ترتبط مباشرة بالنقاش الجاري اليوم: فإذا كانت الولايات المتحدة تعيد تقييم انتشارها في أوروبا، فإن السؤال الطبيعي يصبح ما إذا كانت الجيوش الأوروبية قادرة على سد النقص في الذخائر والدفاع الجوي والقيادة واللوجستيات والانتشار السريع.
ما الذي يعنيه ذلك لأوروبا ولجوار المتوسط؟
الانعكاس الأول هو سياسي: أوروبا مطالبة بإثبات أنها شريك أمني فعلي، لا مجرد مستفيد من الحماية الأمريكية. أما الانعكاس الثاني فهو عسكري، إذ قد تضطر دول أوروبية إلى تسريع برامج التسلح وتوسيع القواعد ورفع أعداد القوات الجاهزة. والثالث اقتصادي، لأن زيادة الإنفاق الدفاعي بهذا الحجم ستفرض ضغوطا على الموازنات العامة في وقت تواجه فيه دول كثيرة تباطؤا ماليا وتحديات اجتماعية.
ومن زاوية أفريقية ومتوسطية، يفتح هذا المسار أسئلة حول كيفية توزيع الاهتمام الغربي بين الجبهة الشرقية لأوروبا وبين الجنوب المتوسطي والأفريقي. فإذا انشغلت العواصم الأوروبية أكثر بإعادة بناء قدراتها الدفاعية التقليدية، فقد ينعكس ذلك على أولويات الشراكات الأمنية في الساحل الأفريقي وليبيا وشرق المتوسط. وفي المقابل، قد يدفع هذا التحول بعض الدول الأوروبية إلى توسيع تعاونها الأمني مع شركاء إقليميين في الجنوب، ومن بينهم دول عربية وأفريقية محورية.
هل نحن أمام انسحاب أمريكي؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على جدول زمني معلن لسحب واسع للقوات الأمريكية من أوروبا. ما يوجد فعلا هو مراجعة لانتشار القوات، ومشاورات مع الحلفاء، وضغط أمريكي منظم للحصول على التزامات أوضح. لذلك، فإن توصيف المرحلة الأدق هو أنها مرحلة إعادة تفاوض داخلية على شكل تقاسم الأعباء داخل الناتو، لا مرحلة قطيعة بين واشنطن والحلف.
غير أن هذه المراجعة تظل حساسة، لأن مجرد فتحها يبعث برسالة استراتيجية مفادها أن الولايات المتحدة تريد من أوروبا التحرك بسرعة أكبر. وقد أشادت تقارير أمريكية وغربية أخيرا بجهود دول مثل بولندا وألمانيا وبعض الدول الاسكندنافية، بوصفها من بين الأطراف التي كثفت استثماراتها العسكرية وأظهرت استعدادا أكبر لتوسيع مساهمتها الدفاعية.
خلاصة المشهد
ما جرى في بروكسل ليس لقاء بروتوكوليا عاديا، بل خطوة عملية في ملف قد يعيد تشكيل العلاقة الدفاعية عبر الأطلسي خلال السنوات المقبلة. واشنطن، عبر إلبريدج كولبي، تطلب من الحلفاء إجابات مكتوبة وخططا قابلة للفحص. والناتو، بقيادة مارك روته، يحاول استيعاب الضغط الأمريكي من دون إظهار تصدع سياسي داخل الحلف.
وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن المسألة لا تخص أوروبا وحدها. فمآلات الوجود العسكري الأمريكي، وأوزان الإنفاق الدفاعي الأوروبي، واتجاهات الناتو الجديدة، كلها عناصر تؤثر في البيئة الأمنية الممتدة من البحر المتوسط إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقي. ولهذا تبدو المراجعة الأمريكية في أوروبا تطورا غربيا، نعم، لكنه يحمل تداعيات تتجاوز القارة الأوروبية إلى المجال الأفريقي الأوسع الذي تراقبه القاهرة عن كثب.
- التاريخ الأبرز: اجتماع بروكسل عُقد يوم 27 أغسطس 2026.
- المسؤولان الرئيسيان: مارك روته وإلبريدج كولبي.
- النقطة المحورية: واشنطن تطلب ردا مكتوبا من حلفاء الناتو بشأن تحمل مسؤوليات دفاعية أكبر.
- الخلفية الأوسع: التزام الناتو منذ قمة لاهاي 2025 برفع الاستثمار الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.