واشنطن تنفي حسم هدنة السودان وتؤكد استمرار المشاورات
واشنطن: لا تفاهم نهائي حتى الآن بشأن هدنة السودان
عاد ملف الحرب في السودان إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي بعد نفي مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، صحة ما تردد عن التوصل إلى اتفاق نهائي حول هدنة إنسانية أو خطة سلام شاملة. ويعكس هذا الموقف حجم التعقيد الذي لا يزال يحيط بالأزمة السودانية، رغم تعدد المبادرات والوساطات منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدود التصريحات الأمريكية، بل تمتد إلى موقع السودان في معادلة الأمن الإقليمي، خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تعتبر استقرار السودان جزءًا مباشرًا من أمنها القومي. ومن هنا، فإن أي حديث عن هدنة أو تسوية سياسية يحظى بمتابعة واسعة في القاهرة، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، مع استمرار تداعيات الحرب على الحدود وحركة النزوح والملف الإنساني.
ما الذي قاله مسعد بولس؟
التقديرات المتداولة خلال الأسابيع الماضية تحدثت عن اقتراب التوصل إلى تفاهم بشأن هدنة إنسانية، لكن بولس أوضح أن المسار لم يصل بعد إلى اتفاق مكتمل. هذا النفي يتسق مع استمرار المشاورات السياسية والدبلوماسية، ويدل على أن ما يجري حتى الآن هو تفاوض ومحاولات لتقريب المواقف، وليس تسوية نهائية قابلة للتنفيذ على الأرض.
كما أن بولس كان حاضرًا في التحركات الدبلوماسية الخاصة بالسودان، وبينها الاجتماع الخامس لآلية التشاور لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان الذي استضافته القاهرة في 14 يناير 2026، بمشاركة مصر والأمم المتحدة وأطراف إقليمية ودولية. وخلال هذا المسار، جرى التشديد على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية على مستوى البلاد مع فتح ممرات آمنة للمساعدات. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الفجوة بين الطروحات السياسية ومواقف الأطراف السودانية لا تزال قائمة.
خلاف حول توصيف الموقف السوداني
اللافت أن الجدل لم يكن فقط حول وجود اتفاق من عدمه، بل أيضًا حول كيفية توصيف رد الخرطوم على المقترحات المطروحة. ففي 28 يونيو 2026، رفضت وزارة الخارجية السودانية ما نُسب إلى بولس بشأن اعتبار مجلس السيادة قد رفض مسودة هدنة إنسانية اقترحتها واشنطن، وقالت إن الحكومة السودانية تعاملت بإيجابية مع المبادرات المختلفة وقدمت ملاحظات وتعديلات، بدلًا من الرفض المطلق.
وبحسب الموقف السوداني المعلن، فإن الخرطوم ترى أن أي هدنة لا يمكن فصلها عن ترتيبات أوسع تتعلق بالانسحاب من المدن، وضمانات التنفيذ، ومنع تكرار خرق الاتفاقات السابقة. هذا الخلاف في السردية يكشف أن الأزمة ليست في المبدأ فقط، بل في تفاصيل الصياغة وآليات التطبيق والرقابة.
القاهرة تتحرك: لماذا يهم السودان مصر بهذه الدرجة؟
بالنسبة إلى مصر، لا يُنظر إلى السودان باعتباره ملفًا خارجيًا تقليديًا، بل باعتباره امتدادًا استراتيجيًا وجغرافيًا وأمنيًا. ولهذا كررت القاهرة أكثر من مرة رفضها انهيار مؤسسات الدولة السودانية أو المساس بوحدة أراضيها. وخلال اجتماع القاهرة في يناير 2026، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن مصر تعتبر وحدة السودان ومؤسساته خطوطًا حمراء، داعيًا إلى وقف إنساني فوري وفتح الممرات الآمنة للمساعدات.
هذا الموقف المصري لم يكن معزولًا عن تحرك سياسي أوسع. فالرئيس عبد الفتاح السيسي شدد كذلك، خلال استقباله رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في 2 يونيو 2026، على دعم مصر الكامل لاستقرار السودان ووحدة أراضيه، وعلى مواصلة الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية. ومن زاوية مصرية خالصة، فإن إطالة أمد الصراع تعني مزيدًا من الضغوط على الإقليم بأكمله، سواء عبر النزوح أو تهديد التجارة والحدود أو تعقيد توازنات القرن الأفريقي ووادي النيل.
أزمة إنسانية تتسع رغم كثرة المبادرات
ورغم كثافة الحديث عن الوساطات، فإن الواقع الإنساني داخل السودان يزداد صعوبة. الأمم المتحدة تؤكد باستمرار الحاجة إلى وقف إطلاق نار دائم وإلى مسار سياسي سوداني شامل، مشيرة إلى أن التمويل الإنساني وحده لا يمكن أن يكون بديلًا عن السلام. وفي بيانات أممية صدرت خلال 2026، جرى التشديد على حماية المدنيين والمنشآت المدنية وضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات ضمن عملية سودانية شاملة.
وتصف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأزمة السودانية بأنها من أكبر أزمات النزوح في العالم. ووفق بيانات المفوضية، بلغ عدد اللاجئين السودانيين وطالبي اللجوء عالميًا قرابة 3.8 مليون بنهاية 2025، بينما تواصلت موجات النزوح خلال 2026. كما تشير تقديرات مرتبطة بخطة الاستجابة إلى وجود نحو 9.3 مليون نازح داخليًا في السودان خلال 2025، وهو رقم يوضح حجم التفكك الإنساني الذي خلفته الحرب.
وتبرز أهمية هذه الأرقام بالنسبة للقارئ المصري لأن مصر أصبحت واحدة من أبرز دول الاستضافة للفارين من الحرب، في ظل الروابط الاجتماعية والجغرافية والتاريخية بين البلدين. لذلك فإن أي تعثر في جهود الهدنة لا يظل شأنًا سودانيًا داخليًا فحسب، بل ينعكس أيضًا على الجوار المباشر، وفي مقدمته مصر.
الفاشر ودارفور في قلب المشهد
ومن بين أكثر بؤر التوتر حساسية، تظل الفاشر في شمال دارفور عنوانًا لأزمة الميدان. وخلال يناير 2026، تحدثت تقارير دولية عن دخول شحنة مساعدات إنسانية إلى المدينة بوزن يتجاوز 1.3 طن متري، بوصفها أول عملية من هذا النوع بعد فترة حصار طويلة. لكن مجرد وصول بعض المساعدات لا يعني تغيرًا حقيقيًا في المعادلة، إذ إن القتال في دارفور ومناطق أخرى ظل مؤشرًا على هشاشة أي ترتيبات مؤقتة ما لم تُصاحبها ضمانات أوسع وأكثر صلابة.
وتواصل الأمم المتحدة التحذير من أن استهداف المدنيين والبنية الأساسية، إلى جانب القيود على وصول الإغاثة، يفاقم من الكارثة. لذلك فإن أي مبادرة لا تتضمن آليات عملية لفتح المسارات الإنسانية ومراقبة الالتزام ستظل عرضة للتعثر، مهما بدت واعدة على المستوى السياسي.
هل يقترب السلام أم أن المسار ما زال في بدايته؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الحديث عن اتفاق نهائي في السودان لا يزال سابقًا لأوانه. فالنفي الأمريكي الأخير، إلى جانب الاعتراض السوداني على بعض التصريحات المتعلقة بالهدنة، يكشفان أن التفاوض مستمر لكن الحسم لم يحدث. كما أن سجل المحاولات السابقة يوضح أن العبرة ليست بإعلان المبادرات، بل بقدرتها على الصمود ميدانيًا.
الأقرب إلى الواقع الآن هو وجود مساعٍ دبلوماسية مفتوحة تشارك فيها القاهرة وواشنطن والأمم المتحدة وأطراف أخرى، بهدف الوصول إلى هدنة إنسانية قابلة للتنفيذ تمهد لاحقًا لمسار سياسي أوسع. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات عملية، وبوجود رقابة وضمانات تحول دون انهيار أي اتفاق عند أول اختبار.
- اندلاع الحرب: أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
- موقف واشنطن: لا اتفاق نهائي حتى الآن بشأن هدنة أو خطة سلام.
- موقف الخرطوم: تنفي رفض الهدنة بشكل مطلق وتقول إنها قدمت تعديلات وملاحظات.
- الدور المصري: دعم وحدة السودان ورفض انهيار مؤسساته والدفع نحو هدنة إنسانية شاملة.
- الواقع الإنساني: ملايين النازحين واللاجئين واستمرار الحاجة العاجلة للمساعدات.
في المحصلة، تبدو الأزمة السودانية، من منظور أفريقي وإقليمي، أبعد من مجرد خلاف على صياغة هدنة. إنها اختبار لقدرة الدبلوماسية على وقف حرب مفتوحة أنهكت دولة مركزية في جوار مصر المباشر. وحتى تتبلور تسوية حقيقية، سيظل العنوان الأوضح هو أن المفاوضات مستمرة، لكن السلام لم يُحسم بعد.