وائل النجار: استرداد الآثار المهربة يحتاج «نفسًا طويلًا»
مصر تراهن على الوقت والقانون لاستعادة تراثها
يعكس حديث السفير وائل النجار، مساعد وزير الخارجية للعلاقات الثقافية والتعاون الفني، عن سياسة «النفس الطويل» في ملف استرداد الآثار المصرية المهربة، طبيعة واحدة من أعقد المعارك التي تخوضها الدولة خارج حدودها. فالقضية لا تُحسم عادة بقرار سريع أو بإجراء منفرد، بل عبر مسار ممتد يجمع بين التحرك الدبلوماسي، والملاحقة القانونية، والتنسيق الفني مع الدول والمؤسسات التي ظهرت فيها القطع المصرية خارج سياقها الشرعي.
وخلال مداخلة إعلامية تناول فيها هذا الملف، أشار النجار إلى أن جهود الاسترداد لا تتحرك من جهة واحدة، بل تقوم على تنسيق بين وزارة الخارجية، ووزارة السياحة والآثار، وإدارة التعاون الدولي التابعة لمكتب النائب العام. هذا النمط من العمل المشترك تؤكده البيانات الرسمية المصرية المتعاقبة بشأن القطع التي عادت بالفعل من الخارج خلال الشهور الماضية.
لماذا تحتاج استعادة الآثار إلى «نفس طويل»؟
الواقع أن استرداد أي قطعة أثرية مهربة يمر غالبًا بعدة حلقات معقدة: إثبات خروجها من مصر بطرق غير مشروعة، وتحديد مسار انتقالها، وفحص مستندات الملكية، ثم التواصل مع سلطات إنفاذ القانون أو المتاحف أو حائزي القطعة في الخارج. وفي كثير من الحالات، تتداخل قوانين محلية في الدولة المضيفة مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، ما يجعل الزمن عنصرًا حاسمًا في إدارة الملف.
ومن زاوية أوسع تهم القارئ المصري والعربي، فإن هذه المعركة لا تخص مصر وحدها، بل تندرج ضمن نقاش إقليمي وقاري أكبر حول إعادة التراث المنهوب إلى موطنه الأصلي. ولهذا تبدو التجربة المصرية محل متابعة في العالم العربي وأفريقيا، خاصة مع تصاعد المطالب الدولية بإعادة القطع التي خرجت خلال فترات الاضطراب أو عبر شبكات التهريب العابرة للحدود.
وقائع حديثة تؤكد اتساع التحرك المصري
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أظهرت خلال عامي 2025 و2026 وتيرة ملحوظة في عمليات الاسترداد. ففي 6 نوفمبر 2025 أعلنت الوزارة استرداد 36 قطعة أثرية من ولاية نيويورك الأمريكية، شملت 11 قطعة صادرتها سلطات الادعاء في نيويورك، و24 مخطوطًا نادرًا تضم كتابات باللغتين القبطية والسريانية، إضافة إلى لوحة ملونة من الأسرة الثامنة عشرة سلمها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.
ولم تتوقف التحركات عند هذا الحد؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية كذلك استرداد 11 قطعة أثرية أخرى من نيويورك، بينها إناء للإله «بس»، وعقد على شكل رأس حورس، ورأس تمثال روماني، في خطوة عكست استمرار التنسيق بين القنصلية المصرية والسلطات الأمريكية المختصة.
كما تسلمت القنصلية المصرية في لوس أنجلوس 48 قطعة أثرية أعادها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، بينما أعلنت الوزارة أيضًا استرداد 4 قطع أثرية نادرة من هيوستن، من أبرزها رأس تمثال من الجرانيت يعود إلى الأسرة الثامنة عشرة. وفي مسار موازٍ، تسلمت مصر من أستراليا 17 قطعة أثرية فرعونية نادرة خلال فعالية رسمية في كانبرا.
أوروبا أيضًا على خريطة الاسترداد
التحرك المصري لم يقتصر على الولايات المتحدة وأستراليا. ففي 13 فبراير 2026 شارك وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي في باريس في مراسم استرداد قطع أثرية مصرية مهربة، بعد تنسيق بين السفارة المصرية والسلطات الفرنسية. كما شهدت لاهاي في الأسابيع الأخيرة مراسم تسليم رأس حجري نادر منسوب إلى عصر الملك تحتمس الثالث، في إطار تعاون مصري-هولندي شمل أيضًا تنسيقًا مع جهات إسبانية بعد كشف تلاعب في مستندات الملكية.
وتحمل هذه التطورات دلالة مهمة: أن استرداد الآثار لم يعد مجرد ملف ثقافي، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من التعاون الدولي في إنفاذ القانون، ومكافحة الجريمة المنظمة، وحماية التراث الإنساني. وهذا يفسر حديث المسؤولين المصريين عن ضرورة الصبر والقدرة على متابعة الملفات لسنوات إذا لزم الأمر.
كيف تدير الدولة المصرية هذا الملف؟
1) المسار الدبلوماسي
تلعب السفارات والقنصليات المصرية دورًا محوريًا في رصد القطع محل النزاع، وفتح قنوات اتصال مع الحكومات الأجنبية، والمتاحف، ومكاتب الادعاء العام. وتظهر بيانات وزارة الخارجية أن البعثات المصرية في نيويورك، ولوس أنجلوس، وباريس، ولاهاي، وكانبرا كانت جزءًا أساسيًا من عمليات الاسترداد الأخيرة.
2) المسار القانوني
يعتمد هذا المسار على قانون حماية الآثار المصري والاتفاقيات الدولية التي تحظر الاستيراد والتصدير والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية. وفي حالات كثيرة، يكون نجاح الاسترداد مرتبطًا بقدرة الجهات المختصة على إثبات أن القطعة خرجت من مصر بصورة غير قانونية، أو أن أوراق ملكيتها شابها التزوير أو الإخفاء.
3) المسار الفني والأثري
هنا يأتي دور الخبراء في وزارة السياحة والآثار لتحديد هوية القطع، وتأريخها، وبيان قيمتها الأثرية، وهو عنصر لا غنى عنه أمام الجهات القضائية والجهات الأجنبية التي تطلب أدلة فنية دقيقة قبل تسليم أي قطعة.
ما الذي تعنيه هذه الجهود لمصر والمنطقة؟
بالنسبة لمصر، لا يتعلق الأمر فقط بإعادة مقتنيات قديمة إلى المخازن أو المتاحف، بل باستعادة أجزاء من الذاكرة الوطنية والهوية الحضارية. أما عربيًا وأفريقيًا، فنجاح القاهرة في هذا الملف يمنح دفعة لخطاب أوسع يدعو إلى إنصاف الدول التي فقدت تراثها بسبب النهب أو التهريب أو الاستحواذ غير المشروع.
كما أن تنامي التعاون الدولي في هذا المجال يرسل رسالة مهمة إلى شبكات التهريب وسوق الاتجار غير المشروع: أن الملاحقة لا تسقط بسهولة، وأن مرور السنوات لا يعني إغلاق الملف. ومن هنا تكتسب عبارة «النفس الطويل» معناها العملي؛ فهي لا تشير فقط إلى الصبر، بل إلى بناء ملف متكامل يستند إلى الدبلوماسية والقانون والخبرة الفنية.
رسالة تتجاوز الداخل المصري
في سياق «العالم العربي»، تبدو التجربة المصرية نموذجًا لبلد يدافع عن إرثه الثقافي عبر أدوات الدولة الحديثة، وفي الوقت نفسه يشارك في معركة أشمل تخوضها دول المنطقة وأفريقيا ضد تهريب التراث. ومع كل قطعة تعود، يتأكد أن حماية التاريخ لم تعد شأنًا متحفيًا ضيقًا، بل قضية سيادة وهوية وحق ثقافي عابر للحدود.
وبينما تتواصل عمليات الاسترداد من أكثر من دولة، فإن المؤشرات الرسمية تقول إن القاهرة ماضية في هذا المسار دون استعجال للنتائج، ولكن أيضًا دون تراجع. لذلك، فإن وصف السفير وائل النجار للملف بأنه يحتاج إلى «نفس طويل» لا يبدو مجرد توصيف دبلوماسي، بل خلاصة واقعية لطبيعة معركة تستند إلى المثابرة، وتُقاس نتائجها بما يعود إلى الوطن من شواهد حضارته.