وثائق إسرائيلية تعيد أخطر توتر بين مصر وإسرائيل بعهد مبارك
وثائق جديدة تعيد فتح ملف أزمة كادت تعصف بالعلاقات
أعادت وثائق إسرائيلية جرى تداولها في الإعلام العبري تسليط الضوء على واحدة من أكثر المحطات حساسية في العلاقات المصرية الإسرائيلية خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وبينما تناولت التقارير الإسرائيلية كواليس توتر بالغ الخطورة، تُظهر مراجعة الوقائع المعلنة والموثقة أن أخطر اختبار فعلي للعلاقة بين القاهرة وتل أبيب في تلك المرحلة ارتبط بتداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ثم استمر لاحقًا في صورة شد وجذب سياسي وقانوني حول طابا.
وبالنسبة للقارئ المصري، لا تتعلق أهمية هذه الوثائق فقط بما تكشفه عن طريقة إدارة الأزمات في تلك الحقبة، بل أيضًا بما تؤكده من ثوابت السياسة المصرية: الحفاظ على معاهدة السلام من جهة، وعدم التفريط في الموقف الوطني أو السيادة المصرية من جهة أخرى.
من معاهدة السلام إلى أول اختبار كبير
بدأت العلاقات الرسمية بين مصر وإسرائيل بعد توقيع معاهدة السلام في 26 مارس 1979، على أن يترتب عليها إنهاء حالة الحرب والانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء وفق الجداول والترتيبات المنصوص عليها في الاتفاق. وتشير المصادر الرسمية الإسرائيلية نفسها إلى أن هذا الاتفاق شكّل الأساس القانوني للعلاقات بين البلدين، بينما تؤكد المصادر المصرية الرسمية أن استعادة كامل الأرض المصرية ظلت أولوية لا تقبل المساومة.
وبعد تولي حسني مبارك الرئاسة في أكتوبر 1981 عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات، وجد نفسه أمام ملفات شديدة التعقيد: استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، متابعة ترتيبات السلام، والتعامل مع مناخ إقليمي شديد التوتر. وقد اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم سيناء في 25 أبريل 1982، لكن ملف طابا بقي نقطة خلاف حادة، فيما جاءت حرب لبنان في العام نفسه لتدفع العلاقات إلى أخطر منعرج.
1982.. اللحظة التي بلغت فيها الأزمة ذروتها
في 6 يونيو 1982 بدأت إسرائيل عمليتها العسكرية في لبنان، وهي الحرب التي صارت تُعرف لاحقًا باسم حرب لبنان الأولى. ومع تصاعد الأحداث، اتخذت القاهرة موقفًا حادًا ضد العملية العسكرية الإسرائيلية، وبلغ التوتر ذروته في 20 سبتمبر 1982 عندما قررت مصر استدعاء سفيرها من تل أبيب احتجاجًا على التصرفات الإسرائيلية في لبنان. وقتها اعتُبر القرار أخطر تدهور دبلوماسي بين البلدين منذ بدء التطبيع الرسمي.
هذه الخطوة لم تكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل كانت رسالة سياسية مباشرة بأن القاهرة قادرة على استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي عندما ترى أن التطورات الإقليمية تجاوزت حدود المقبول. وتفيد مراجعات تاريخية للعلاقات بين البلدين بأن مصر ظلت من دون سفير في إسرائيل لعدة سنوات بعد ذلك، وهو ما يعكس عمق الأزمة في تلك المرحلة.
لماذا بدت الأزمة استثنائية؟
خصوصية تلك الأزمة تعود إلى أنها وقعت في فترة كانت فيها معاهدة السلام لا تزال حديثة نسبيًا، كما أن المنطقة كانت تعيش حالة استقطاب حاد. لذلك، فإن سحب السفير المصري لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل مؤشر على أن العلاقات يمكن أن تصل إلى حافة القطيعة السياسية حتى مع بقاء المعاهدة قائمة.
- أولًا: الأزمة اندلعت بعد سنوات قليلة فقط من توقيع معاهدة السلام.
- ثانيًا: القاهرة كانت حريصة على عدم انهيار الاتفاق، لكنها في الوقت نفسه أظهرت رفضًا واضحًا للسياسات الإسرائيلية في لبنان.
- ثالثًا: القرار المصري كشف أن إدارة مبارك المبكرة لم تتبنَّ مسارًا مفتوحًا بلا تحفظ، بل تعاملت بمنطق التوازن بين الالتزام الدبلوماسي والموقف السيادي.
طابا.. ملف آخر كشف حدود الصبر المصري
إذا كانت أزمة لبنان مثّلت أخطر صدمة سياسية مباشرة، فإن أزمة طابا كانت الامتحان الأطول في عهد مبارك. فبحسب بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، حاولت إسرائيل منذ ديسمبر 1981 إثارة نزاع حول العلامة الحدودية رقم 91، بما أدى إلى استمرار الخلاف رغم استعادة مصر معظم سيناء.
وتوضح المصادر الرسمية المصرية أن القاهرة اختارت مسارًا قانونيًا ودبلوماسيًا طويل النفس. ففي 11 سبتمبر 1986 وُقعت مشارطة التحكيم بين مصر وإسرائيل، ثم أصدرت هيئة التحكيم الدولية في 29 سبتمبر 1988 حكمها بأحقية مصر في طابا. وبعد ذلك جرى جلاء آخر جندي إسرائيلي عن المنطقة في 15 مارس 1989، قبل أن يرتفع العلم المصري فوق طابا يوم 19 مارس 1989.
ومن هنا، يرى كثير من المتابعين أن أخطر توتر في عهد مبارك لم يكن حادثة وحيدة فقط، بل سلسلة أزمات متعاقبة: سحب السفير بسبب لبنان من ناحية، والصراع على طابا من ناحية أخرى. الأولى كادت تدفع العلاقات إلى شلل سياسي كامل، والثانية أكدت أن القاهرة لن تقبل بأي انتقاص من الأرض المصرية.
ماذا تقول الوثائق المتداولة اليوم؟
الوثائق الإسرائيلية التي أعادت الجدل إلى الواجهة تضيف، في جوهرها، تفاصيل حول طريقة قراءة الجانب الإسرائيلي لتلك المرحلة المضطربة. لكن حتى مع تداول هذه الوثائق، فإن الوقائع الأساسية المعروفة تاريخيًا تظل أوضح من أي تسريبات: مصر سحبت سفيرها فعلًا في خريف 1982، والعلاقات دخلت مرحلة برود حاد، ثم استمر الاشتباك السياسي عبر ملف طابا حتى حُسم لصالح مصر بالتحكيم الدولي.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الوثائق ليست في تغيير التاريخ، بل في إعادة تذكير الرأي العام بكيفية إدارة الدولة المصرية لأزمة شديدة التعقيد: لا اندفاع نحو القطيعة الكاملة، ولا تنازل عن ثوابت السيادة أو الموقف السياسي.
قراءة مصرية في دلالات الأزمة
من منظور مصري، تكشف هذه المحطات عن ثلاثة أمور رئيسية. أولها أن السلام لم يكن يعني غياب الخلاف، بل كان إطارًا يمكن أن يشهد أزمات حادة للغاية. ثانيها أن القيادة المصرية في عهد مبارك استخدمت مزيجًا من الأدوات: احتجاج دبلوماسي مباشر عند الضرورة، وتحرك قانوني دولي عندما تعلق الأمر بالأرض. أما ثالثها، فهو أن ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية ظل دائمًا مرتبطًا بسياق إقليمي أوسع، خاصة ما يتصل بالقضية الفلسطينية ولبنان وأمن الحدود.
كما أن استدعاء هذه الوقائع الآن يهم القارئ المصري لأنه يعيد إبراز أن معادلة السياسة الخارجية المصرية لم تُبنَ يومًا على الشعارات فقط، بل على إدارة واقعية للصراع، مع تمسك واضح بالمصالح الوطنية. ومن هنا ظل اسم مبارك حاضرًا في هذه الملفات بوصفه رئيسًا أدار أخطر اختبار مبكر للعلاقة مع إسرائيل، ثم خاض لاحقًا معركة سياسية وقانونية انتهت باستعادة طابا.
الخلاصة
الحديث عن "أخطر أزمة" بين مصر وإسرائيل في عهد مبارك لا يمكن فصله عن حقائق موثقة على الأرض: سحب السفير المصري من تل أبيب في سبتمبر 1982 كان لحظة الانفجار الكبرى، بينما مثّل نزاع طابا الوجه الآخر للأزمة الممتدة حتى عودة الأرض كاملة للسيادة المصرية في مارس 1989. وبين الحدثين يتضح كيف تعاملت القاهرة مع علاقة معقدة: التزام بالاتفاقات الدولية، لكن دون تهاون في القرارات السيادية أو الحقوق المصرية.