Akhbar Cairo

وثائق إسرائيلية مرفوعة السرية تعيد فتح ملف حرب لبنان 2006

وثائق جديدة بعد عقدين من الحرب

عادت حرب لبنان في صيف 2006 إلى الواجهة من جديد، بعدما أُعلن في إسرائيل عن نشر مواد ووثائق عسكرية وحكومية مرفوع عنها القيد السري بالتزامن مع مرور 20 عامًا على الحرب التي استمرت من 12 يوليو إلى 14 أغسطس 2006. وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تتبعه مؤسسات الأرشفة الإسرائيلية في الكشف التدريجي عن ملفات الحروب والقرارات الأمنية، سواء عبر أرشيف الدولة أو عبر أرشيف الجيش ووزارة الدفاع.

الوثائق الجديدة، وفق ما جرى الترويج له في إسرائيل خلال مناسبات الذكرى العشرين، تتناول محاضر ومداولات وخططًا عملياتية وقرارات اتخذتها القيادة السياسية والعسكرية خلال الحرب، وهي فترة كان فيها إيهود أولمرت رئيسًا للوزراء، فيما كان عمير بيرتس وزيرًا للدفاع، ودان حالوتس رئيسًا للأركان. أهمية هذه المواد لا تقتصر على بعدها التاريخي فقط، بل تعود أيضًا إلى أن حرب 2006 ما زالت حاضرة بقوة في معادلات الردع والاشتباك على الحدود اللبنانية الجنوبية حتى اليوم.

ما الذي تؤكده السجلات المعروفة عن الحرب؟

بحسب الصفحة التعريفية الرسمية المنشورة على موقع الجيش الإسرائيلي، فإن ما تسميه إسرائيل «حرب لبنان الثانية» اندلع في 12 يوليو 2006 وانتهى في 14 أغسطس من العام نفسه. وتشير البيانات الإسرائيلية المنشورة رسميًا إلى مقتل 119 جنديًا إسرائيليًا و44 مدنيًا خلال الحرب. وفي المقابل، ظل لبنان هو الساحة التي تحملت النصيب الأكبر من الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والقرى والبلدات، خاصة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى.

وعلى المستوى الدولي، مثّل قرار مجلس الأمن 1701 الصادر في أغسطس 2006 نقطة التحول الأساسية التي أنهت الأعمال القتالية الواسعة، إذ نص على وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب بالتعاون مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل»، مع انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأزرق. كما أن الجيش اللبناني يوضح على موقعه الرسمي أن القرار وسّع مهام اليونيفيل وأتاح رفع عديدها إلى حد أقصى يبلغ 15 ألف جندي.

لماذا يُعاد فتح الملف الآن؟

التوقيت ليس تفصيلاً بروتوكوليًا فقط. ففي إسرائيل أُقيمت هذا الصيف مراسم رسمية لإحياء الذكرى العشرين لقتلى الحرب، بحضور الرئيس إسحاق هرتسوج ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، ما يعكس أن حرب 2006 لا تزال تُعامل داخل إسرائيل بوصفها محطة مفصلية في التفكير العسكري والسياسي.

إعادة نشر الوثائق الآن تعني، في جانب منها، محاولة إعادة قراءة تلك الحرب بعد عقدين من الزمن، خصوصًا أن المؤسسة الإسرائيلية نفسها واجهت على مدار السنوات انتقادات حادة بشأن إدارة المعركة والأهداف التي رُفعت آنذاك والنتائج التي تحققت فعليًا على الأرض. وفي الذاكرة الإسرائيلية، ارتبطت حرب 2006 أيضًا بنقاش طويل حول جاهزية الجبهة الداخلية، وهو ملف عاد للظهور مؤخرًا في تقارير رقابية إسرائيلية قارنت بين أوجه القصور الحالية وما كُشف سابقًا بعد حرب لبنان الثانية.

ماذا يمكن أن تحتويه الوثائق المفرج عنها؟

حتى عندما تُنشر وثائق من هذا النوع، فإن القيمة الحقيقية تكون في تفاصيل التسلسل الزمني للقرار: متى طُرح خيار توسيع الهجوم؟ من أيّد العملية البرية ومن تحفظ عليها؟ كيف قُدّرت قدرة حزب الله الصاروخية؟ وما طبيعة النقاش بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية؟ هذا النوع من المواد هو الذي يعيد بناء صورة الحرب من داخل غرف القرار، بعيدًا عن الرواية الإعلامية المختصرة.

كما أن تجربة الأرشفة الإسرائيلية تُظهر أن رفع السرية لا يعني بالضرورة كشف كل شيء دفعة واحدة. فوزارة الدفاع الإسرائيلية توضح في صفحتها الخاصة بآليات رفع السرية أن فحص الوثائق يتم بصورة انتقائية، وأن الإفراج عنها يظل خاضعًا لاعتبارات الأمن والعلاقات الخارجية والخصوصية. لذلك، فمن المرجح أن ما نُشر حتى الآن يقدم صورة جزئية، لا السجل الكامل للحرب.

بالنسبة للبنان.. الحرب لم تصبح ماضيًا بالكامل

بالنسبة للقارئ المصري والعربي، فإن دلالة هذه الوثائق لا تنفصل عن الواقع الحالي في لبنان والمنطقة. فحرب 2006 لم تكن مجرد مواجهة حدودية عابرة، بل محطة أعادت رسم طبيعة الاشتباك على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، وأدخلت القرار 1701 في صلب أي نقاش لاحق يتعلق بالجنوب اللبناني، وانتشار الجيش، ودور «يونيفيل»، وحدود التصعيد.

كما أن الأمم المتحدة لا تزال، بعد مرور قرابة عشرين عامًا، تتعامل مع القرار 1701 باعتباره حجر الزاوية في أي ترتيبات تخص الاستقرار على الحدود. وفي شروحها الرسمية للقرار، تؤكد المنظمة أن النص جاء لوقف الأعمال القتالية ولتعزيز وجود الدولة اللبنانية في الجنوب بالتوازي مع انتشار القوة الدولية. هذه الخلفية تجعل أي وثائق جديدة عن إدارة حرب 2006 ذات صلة مباشرة بالنقاش الإقليمي الراهن، وليس فقط بالتاريخ.

خسائر الحرب وآثارها الإنسانية

رغم تركيز الوثائق الإسرائيلية المعلنة على دوائر القرار في تل أبيب والقيادة العسكرية، فإن الصورة الأوسع للحرب تظل مرتبطة بكلفتها الإنسانية والسياسية على لبنان. تقارير أممية ووثائق حقوقية تناولت الحرب في حينها بوصفها مواجهة خلفت خسائر بشرية واسعة ودمارًا كبيرًا ونزوحًا داخليًا واسع النطاق. ومن هنا، فإن أي قراءة جديدة للوثائق الإسرائيلية ينبغي ألا تفصل القرارات العسكرية عن نتائجها الميدانية على المدنيين والبنية التحتية اللبنانية.

وفي مصر، حيث يحظى الملف اللبناني باهتمام دائم ضمن متابعة توازنات المشرق العربي، تبدو هذه الوثائق مهمة لفهم كيف تفكر المؤسسات الإسرائيلية في إدارة الحروب على حدودها الشمالية، وكيف تُراجع أخطاء الماضي في ضوء صراعات الحاضر. فالتاريخ هنا ليس أرشيفًا جامدًا، بل جزء من صراع مفتوح تتداخل فيه السياسة بالأمن وبالمعادلات الإقليمية.

ما الذي يعنيه الكشف الجديد سياسيًا؟

من الناحية السياسية، يكشف فتح الملف بعد 20 عامًا أن حرب 2006 لا تزال تُستخدم داخل إسرائيل مرجعًا لتقييم أداء الحكومات وقت الأزمات. اسم إيهود أولمرت يعود مجددًا إلى الواجهة ليس فقط لأنه كان رئيس الحكومة خلال الحرب، بل لأن تلك المرحلة ارتبطت بتساؤلات عميقة حول حدود القوة العسكرية وأثرها في تحقيق أهداف سياسية طويلة المدى.

أما عربيًا، فالأهمية تكمن في أن الوثائق، إذا تضمنت محاضر اجتماعات أو تقديرات موقف، قد تساعد الباحثين والمتابعين على فهم أعمق لكيفية اتخاذ القرار الإسرائيلي في لحظات الحرب: هل كان الهدف ردًا محدودًا ثم توسع؟ هل وُضعت تقديرات خاطئة لقدرة الحسم؟ وهل كانت القيادة السياسية تتحرك وفق خطة واضحة أم تحت ضغط التطورات الميدانية؟

  • الحرب بدأت: 12 يوليو 2006
  • توقفت الأعمال القتالية الواسعة: 14 أغسطس 2006
  • الخسائر الإسرائيلية المعلنة رسميًا: 119 جنديًا و44 مدنيًا
  • المرجعية الدولية الأبرز: قرار مجلس الأمن 1701
  • الأطراف الرئيسية في القيادة الإسرائيلية آنذاك: إيهود أولمرت، عمير بيرتس، دان حالوتس

في المحصلة، فإن نشر وثائق إسرائيلية مرفوع عنها السرية بشأن حرب لبنان 2006 لا يغيّر وقائع الحرب بقدر ما يضيف طبقات جديدة من الفهم لكيفية صناعتها. وبعد عقدين، لا تزال تلك الحرب أكثر من مجرد ذكرى؛ إنها ملف مفتوح في الوعي السياسي والعسكري للمنطقة، من بيروت إلى تل أبيب، مرورًا بكل عاصمة عربية تتابع مستقبل الحدود الملتهبة في المشرق.