Akhbar Cairo

وثائق أمريكية تكشف تراجعًا سريًا عن وعد ريغان النووي

وثائق جديدة تعيد فتح ملف قمة ريكيافيك

أعادت وثائق أمريكية وسوفيتية رُفعت عنها السرية تسليط الضوء على واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الحرب الباردة، بعدما أظهرت أن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان تبنّى في قمة ريكيافيك عام 1986 طرحًا واسعًا يذهب نحو التخلص من الأسلحة النووية، قبل أن يعمل بعض مساعديه لاحقًا على الحد من وقع هذا الموقف في السجل السياسي الأمريكي.

الوثائق نُشرت يوم 10 أكتوبر 2026 عبر أرشيف الأمن القومي التابع لجامعة جورج واشنطن، بمناسبة مرور 40 عامًا على القمة التي جمعت ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. ووفق المواد المنشورة، فإن الجانبين اقتربا بدرجة كبيرة من تفاهم تاريخي، لكن فجوة الثقة والخلاف حول مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية حالت دون الوصول إلى اتفاق نهائي.

ما الذي تكشفه الأوراق الجديدة؟

بحسب العرض التوثيقي الذي نشره أرشيف الأمن القومي، فإن محاضر الجلسات والاتصالات الداخلية تُظهر أن ريغان وغورباتشوف ناقشا بجدية تخفيضات جذرية في الترسانات النووية، وأن فكرة الإلغاء الكامل للأسلحة النووية لم تكن مجرد صياغة دعائية عابرة، بل طُرحت ضمن النقاشات الجوهرية داخل القمة.

الأكثر لفتًا أن وثيقة مؤرخة في 16 أكتوبر 1986 من مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك جون بويندكستر دعت ريغان إلى التراجع عن التصريحات التي قد تُفهم على أنه وافق على إزالة جميع الأسلحة النووية خلال عشر سنوات، مع التشديد على تجنب أي تعليق علني إضافي بهذا المعنى، والتركيز بدلًا من ذلك على ملف الصواريخ الباليستية. هذه النقطة تمنح القصة بُعدًا سياسيًا مهمًا: الخلاف لم يكن فقط مع موسكو، بل داخل واشنطن نفسها أيضًا.

قمة 1986: لماذا بقيت نقطة تحول رغم الفشل؟

قمة ريكيافيك عُقدت يومي 11 و12 أكتوبر 1986 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في لحظة كان فيها سباق التسلح النووي يضغط بشدة على النظام الدولي. ورغم أن القمة انتهت من دون اتفاق نهائي، فإنها تُعد في الأدبيات الدبلوماسية محطة فاصلة مهدت لاحقًا لاتفاقات خفض التسلح، خصوصًا معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF) التي وُقعت عام 1987.

وتوضح السجلات التي يحتفظ بها مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية أن القمة جاءت بعد سلسلة اتصالات ومفاوضات كثيفة بين الإدارتين، وأن جدولها شمل ملفات الأسلحة الاستراتيجية، والدفاع الصاروخي، ومستقبل التوازن النووي بين القوتين العظميين. كما تؤكد سجلات مكتبة ريغان الرئاسية أن ملف ريكيافيك لا يزال من بين أكثر ملفات تلك المرحلة أهمية في الأرشيف الأمريكي.

العقبة الكبرى: مبادرة الدفاع الاستراتيجي

العقدة المركزية التي أفشلت التفاهم تمثلت في مبادرة الدفاع الاستراتيجي، المعروفة إعلاميًا باسم “حرب النجوم”. غورباتشوف أراد قيودًا واضحة على الاختبارات والتطوير المرتبطين بهذا البرنامج، بينما رفض ريغان التخلي عنه، باعتباره جزءًا من رؤيته للأمن الأمريكي. وتكشف الوثائق المنشورة حديثًا أن الخلاف حول هذا الملف نسف فرصة كانت، من حيث المبدأ، تقرّب الطرفين من تصور غير مسبوق لعالم أقل اعتمادًا على الردع النووي.

وبحسب نصوص المحادثات التي أعاد الأرشيف نشرها، فقد ظهرت في اللحظات الأخيرة من القمة فجوة بين الحديث عن خفض شامل للأسلحة النووية والحديث عن إزالة فئات محددة من الصواريخ، وهو ما غذّى التباين لاحقًا في طريقة رواية ما حدث داخل المؤسسات الأمريكية.

لماذا يهم هذا الكشف الآن؟

أهمية هذه الوثائق لا ترتبط فقط بإعادة قراءة الماضي الأمريكي السوفيتي، بل أيضًا بسؤال حاضر يهم المنطقة العربية والعالم: هل كانت هناك بالفعل لحظة حقيقية اقترب فيها قادة القوتين النوويتين الأكبر من تصور إنهاء السلاح النووي؟ الإجابة التي تقدمها الوثائق هي أن الفكرة كانت أقرب إلى الجدية مما اعتقده كثيرون، لكن البنية السياسية والأمنية في ذلك الوقت لم تسمح بتحويلها إلى اتفاق قابل للحياة.

بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة، يكتسب هذا الملف قيمة إضافية في ظل استمرار الجدل حول نزع السلاح النووي وإقامة مناطق خالية من هذه الأسلحة في الشرق الأوسط. صحيح أن الوثائق تتناول صراعًا أمريكيًا سوفيتيًا في المقام الأول، لكنها تكشف كيف أن قرارات القوى الكبرى بشأن الردع والتفوق العسكري تترك أثرًا مباشرًا على الأمن الدولي بأكمله، بما في ذلك منطقتنا.

أرشيف الأمن القومي: من هو الناشر؟

أرشيف الأمن القومي ليس جهة حكومية أمريكية، بل مؤسسة بحثية مستقلة مقرها جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأمريكية. ويشتهر بنشر وثائق مرفوعة عنها السرية تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكيين. وفي الحزمة الجديدة الخاصة بذكرى ريكيافيك الأربعين، جمع الأرشيف محاضر أمريكية وسوفيتية ورسائل تمهيدية ومواد داخلية من الجانبين، بما يسمح بمقارنة الروايتين بصورة أكثر دقة.

ومن بين ما يلفت الانتباه في النشر الجديد أنه لا يكتفي بإبراز أقوال ريغان وغورباتشوف، بل يركز أيضًا على المرحلة التالية مباشرة للقمة، أي كيف تعاملت الدوائر الأمريكية مع الانطباع الذي خرج به الرئيس، وكيف سعت بعض الشخصيات النافذة إلى إعادة ضبط الرسالة السياسية بما يتناسب مع توازنات واشنطن آنذاك.

بين التاريخ والسياسة الراهنة

إعادة فتح ملف ريكيافيك في أكتوبر 2026 تأتي في وقت عاد فيه الحديث عالميًا عن تحديث الترسانات النووية وتراجع بعض أطر ضبط التسلح التي بُنيت في العقود التالية للحرب الباردة. ومن هذه الزاوية، تبدو الوثائق الجديدة أكثر من مجرد مادة تاريخية؛ فهي تذكير بأن الفرص الكبرى في السياسة الدولية قد تضيع بسبب انعدام الثقة، أو تضارب الحسابات داخل العواصم نفسها، حتى عندما يقترب القادة من تفاهمات غير مسبوقة.

ورغم أن قمة ريكيافيك لم تنهِ السلاح النووي، فإن الوثائق المنشورة حديثًا تعيد تثبيت حقيقة أساسية: في خريف 1986، وصل النقاش بين واشنطن وموسكو إلى مستوى لم يكن متخيَّلًا قبل سنوات قليلة فقط. أما ما جرى بعد ذلك داخل البيت الأبيض، فيكشف أن المعركة على كيفية سرد التاريخ قد تبدأ أحيانًا فور انتهاء الحدث نفسه.

  • تاريخ القمة: 11-12 أكتوبر 1986
  • تاريخ نشر الوثائق الجديدة: 10 أكتوبر 2026
  • الجهة الناشرة: أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن
  • أبرز الأسماء: رونالد ريغان، ميخائيل غورباتشوف، جورج شولتز، جون بويندكستر
  • العقدة الأساسية: الخلاف على مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية

هكذا، تقدم الوثائق المفرج عنها قراءة أكثر تعقيدًا لقمة ريكيافيك: لم تكن مجرد فشل تفاوضي، بل لحظة اقتربت فيها السياسة الدولية من منعطف تاريخي، قبل أن تتغلب عليها حسابات الردع والشكوك والصراع داخل دوائر صنع القرار.