Akhbar Cairo

ورشة بالقومي للمرأة تناقش تأهيل النساء للمشاركة السياسية

ورشة جديدة تضع التأهيل السياسي للمرأة في صدارة النقاش

عاد ملف التأهيل السياسي للمرأة إلى الواجهة في مصر، بعد ورشة عمل نظمها المجلس القومي للمرأة يوم الأحد 23 أغسطس 2026 بعنوان «التأهيل السياسي للمرأة.. المؤشرات والتحديات»، بمشاركة الدكتورة رشا مهدي، عضوة المجلس ومقررة لجنة المشاركة السياسية، واللواء رفعت قمصان، مستشار رئيس مجلس الوزراء الأسبق ونائب رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات سابقًا، إلى جانب عبير أبو العلا، مدير عام الإدارة العامة للبحوث بالمجلس، وعدد من الباحثين والباحثات المشاركين في مسابقة بحثية متخصصة حول الموضوع نفسه.

الورشة لم تكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل جاءت في توقيت يرتبط باتساع النقاش المحلي والدولي حول آليات رفع تمثيل النساء في الحياة العامة، وكيفية الانتقال من ضمانات النصوص الدستورية إلى بناء كوادر نسائية تمتلك أدوات المنافسة والتأثير والقيادة. وفي هذا الإطار، ركزت المناقشات على ثلاثة مستويات رئيسية: الوعي، والمشاركة، والتأثير القيادي.

ما الذي ناقشته الورشة؟

بحسب التفاصيل المعلنة، استهدفت الورشة مناقشة نتائج وأفكار البحوث المقدمة ضمن المسابقة البحثية التي أطلقها المجلس، والوقوف على أبرز العقبات التي ما زالت تحد من المشاركة السياسية للمرأة، مع طرح توصيات عملية قابلة للتنفيذ. وشملت الجلسات بحث دور الأحزاب السياسية في إعداد صف ثانٍ من القيادات النسائية، ودور مؤسسات الدولة والجامعات ومنظمات المجتمع المدني في التدريب وبناء القدرات، إلى جانب التوسع في الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في برامج التأهيل السياسي.

وخلال الورشة، شددت الدكتورة رشا مهدي على أن بناء الوعي السياسي لدى النساء يمثل قاعدة أساسية لتعزيز الحضور النسائي في المجال العام، معتبرة أن التأهيل لا يقتصر على الترشح للانتخابات، بل يرتبط أيضًا بالقدرة على قراءة المشهد العام، وفهم أدوات صنع القرار، والتعامل مع التحديات المجتمعية التي قد تعوق المشاركة.

من جانبه، أكد اللواء رفعت قمصان أن المشاركة السياسية للمرأة لا تبدأ وتنتهي عند التصويت، بل تشمل الانخراط الأوسع في الشأن العام وصناعة السياسات والعمل الحزبي والنيابي والمحلي، مع الاستفادة مما أتاحه الدستور المصري من ضمانات للمساواة ودعم تمثيل النساء في المجال السياسي.

سياق أوسع: من النصوص إلى التمثيل الفعلي

أهمية هذه الورشة تتضح أكثر عند النظر إلى مسار تمثيل المرأة في المؤسسات المنتخبة خلال السنوات الأخيرة. فالتعديلات الدستورية والقوانين المنظمة للانتخابات عززت تخصيص 25% من المقاعد للمرأة في مجلس النواب، وهو ما انعكس على تركيبة البرلمان المنتخب في 2020، حيث خُصص للمرأة 142 مقعدًا من المقاعد المنتخبة، بينما أظهرت تقارير ومؤشرات لاحقة أن عدد النائبات في مجلس النواب وصل إلى 148 مقعدًا وفق النتائج النهائية المعلنة آنذاك، كما أشارت وثائق أخرى لاحقة إلى أن التمثيل بلغ 165 مقعدًا بنسبة 27.7% بعد اكتمال التشكيل. هذا التفاوت بين الأرقام يرتبط بالفارق بين المقاعد المخصصة انتخابيًا والعدد الإجمالي النهائي بعد التعيينات واستكمال التشكيل.

هذا التطور يجعل الحديث عن تمكين المرأة سياسيًا أكثر تعقيدًا من مجرد حساب نسب التمثيل. فالحضور العددي مهم، لكنه لا يكفي وحده. ومن هنا تأتي أهمية النقاش الذي أثارته الورشة بشأن جودة التأهيل، ونوعية التدريب، وقدرة المشاركات على التحرك داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة والإدارة المحلية، وليس فقط الوصول إلى المقعد.

البحث العلمي كأداة لصناعة السياسات

اللافت أن الورشة امتداد لمسار بدأه المجلس القومي للمرأة قبل ذلك عبر دعم الدراسات التطبيقية والبحوث المرتبطة بالتمكين السياسي. ففي أكتوبر 2025، نظم المجلس لقاءً لإعلان جوائز المسابقة البحثية بعنوان «التمكين السياسي للمرأة المصرية.. تحديات ومؤشرات»، بحضور المستشارة أمل عمار رئيسة المجلس، والدكتورة نسرين البغدادي نائبة الرئيسة، والدكتورة رشا مهدي، واللواء رفعت قمصان، وشارك في المسابقة 75 بحثًا من 25 محافظة، بينها 56 بحثًا أعدتها سيدات و16 بحثًا قدمها رجال، بحسب ما أُعلن وقتها.

هذا المسار يعكس اتجاهًا متزايدًا داخل المؤسسات الرسمية المصرية نحو الاستناد إلى البيانات والتحليل البحثي في التعامل مع ملف المشاركة السياسية للنساء، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة. كما أنه يربط بين الجامعات والباحثين من جهة، وصانعي القرار من جهة أخرى، وهي نقطة تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الدولية المتعلقة بتمكين النساء في المجال العام.

لماذا تظل التحديات قائمة رغم التقدم؟

رغم تحسن المؤشرات، ما زالت هناك تحديات متكررة تواجه النساء الراغبات في العمل السياسي. ويمكن تلخيص أبرزها في عدة محاور:

  • المعوقات المجتمعية والثقافية التي تقلل من تقبل بعض البيئات لدور المرأة في السياسة والعمل العام.
  • الفجوة التدريبية بين الرغبة في المشاركة وبين امتلاك أدوات الترشح والتفاوض والإدارة الانتخابية والظهور الإعلامي.
  • ضعف المسارات الحزبية المنظمة أحيانًا لإعداد قيادات نسائية شابة بصورة مستدامة.
  • الحاجة إلى توظيف التكنولوجيا بشكل أوسع في التدريب والتوعية والوصول إلى قطاعات عمرية وجغرافية مختلفة.
  • الانتقال من التمثيل العددي إلى التأثير الحقيقي داخل لجان البرلمان، والأحزاب، والإدارة المحلية، ومراكز صنع القرار.

هذه التحديات لا تخص مصر وحدها، بل تظل جزءًا من نقاش عالمي أوسع حول العدالة التمثيلية، وكيفية تحويل التقدم القانوني إلى تغيير مؤسسي وثقافي طويل الأمد. ولهذا يظل الملف مناسبًا لزاوية «العالم» أيضًا، لأن تجربة مصر تتحرك داخل سياق دولي يضع تمكين النساء في السياسة ضمن مؤشرات الحوكمة والتنمية المستدامة.

ما الذي يمكن أن ينتج عن هذه الورش؟

النتيجة الأهم لمثل هذه الورش لا تُقاس فقط بعدد الحاضرين أو التوصيات المكتوبة، بل بمدى تحولها إلى برامج تنفيذية مستمرة: تدريب منتظم، شراكات مع الجامعات، تطوير محتوى رقمي للتوعية، وخلق مسارات واضحة أمام النساء الراغبات في خوض العمل العام، سواء عبر الأحزاب أو الانتخابات أو المجالس المحلية أو منظمات المجتمع المدني.

كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في التأهيل السياسي قد يفتح الباب أمام نماذج جديدة من التدريب منخفض التكلفة وعالي الانتشار، خاصة في المحافظات البعيدة عن القاهرة. وإذا نجحت المؤسسات الرسمية في توظيف هذه الأدوات بفاعلية، فقد يصبح التأهيل السياسي أقل ارتباطًا بالمركزية وأكثر قدرة على الوصول إلى شرائح أوسع.

خلاصة المشهد

ورشة المجلس القومي للمرأة حول «التأهيل السياسي للمرأة.. المؤشرات والتحديات» تعكس انتقال النقاش من سؤال: هل تشارك المرأة؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تشارك بفاعلية وتؤثر وتصل إلى مواقع القرار؟ وبينما تظهر الأرقام تحسنًا واضحًا في التمثيل النسائي داخل البرلمان المصري خلال السنوات الأخيرة، يبقى التحدي الحقيقي في استدامة هذا الحضور، وتوسيعه، وتحويله إلى تأثير ملموس في التشريع والسياسات العامة والإدارة المحلية.

وفي هذا المعنى، تبدو الورشة خطوة ضمن مسار أطول، عنوانه أن تمكين النساء سياسيًا لا يتحقق فقط بقواعد انتخابية أو نسب مخصصة، بل ببناء المعرفة، وتوسيع الفرص، وكسر الحواجز التي تفصل بين الحق القانوني والممارسة الفعلية على الأرض.