وزير الأوقاف وسفير السودان يبحثان توسيع التعاون الديني
دفعة جديدة للتنسيق المصري السوداني في الملف الديني
شهدت العاصمة الإدارية الجديدة، الجمعة 4 سبتمبر 2026، لقاءً بين الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والسفير عماد الدين مصطفى سفير جمهورية السودان لدى القاهرة، في إطار تحرك مصري يركز على تعميق التعاون مع السودان في المجالات الدينية والثقافية، وفتح مسارات عملية لتبادل الخبرات وبناء الكوادر الدعوية.
اللقاء لم يقتصر على المجاملات الدبلوماسية، بل تناول ملفات محددة ترتبط بتأهيل الأئمة والدعاة والواعظات، والاستفادة من الخبرات المصرية في التدريب الديني، إلى جانب بحث تنظيم فعاليات علمية ودعوية مشتركة بين الجانبين، بحسب ما أوردته بوابة الأهرام في تغطيتها المنشورة مساء 4 سبتمبر 2026.
ما الذي نوقش في اجتماع وزير الأوقاف وسفير السودان؟
وفق التفاصيل المعلنة، ناقش الجانبان الاستفادة من الإمكانات العلمية والتدريبية التي توفرها أكاديمية الأوقاف الدولية، مع بحث تنفيذ برامج مشتركة لتأهيل الأئمة والواعظات، وتبادل الخبرات في مجالات العمل الدعوي وإعداد الكفاءات الدينية القادرة على مخاطبة الجمهور بلغة تجمع بين الفهم الشرعي والوعي بقضايا العصر.
كما تطرق الاجتماع إلى تنظيم برامج دعوية وعلمية مشتركة بين المؤسسات المختصة في البلدين، بما يعكس خصوصية العلاقات المصرية السودانية، خاصة في الملفات ذات الصلة بالتعليم الديني الوسطي، ومواجهة الأفكار المتشددة، ودعم التواصل المؤسسي بين القاهرة والخرطوم في القضايا الثقافية والدعوية.
حضور رسمي من الجانبين
شارك في اللقاء من الجانب السوداني المستشار عاصم أحمد حسن، المستشار الثقافي بالسفارة السودانية، بينما حضر من وزارة الأوقاف الدكتور السيد عبد الباري رئيس القطاع الديني، ورفيق القاضي رئيس الإدارة المركزية لشئون مكتب الوزير. ويعكس هذا الحضور أن الاجتماع حمل طابعًا تنفيذيًا يتجاوز الرسائل الرمزية المعتادة في اللقاءات البروتوكولية.
لماذا يكتسب هذا التعاون أهمية خاصة؟
أهمية هذا التحرك لا تنبع فقط من العلاقات السياسية والتاريخية بين مصر والسودان، بل أيضًا من الوزن الذي يحتله الملف الديني والتعليمي في الروابط بين البلدين. فالسودان يُعد من أكثر الدول ارتباطًا بالمؤسسات الدينية والتعليمية المصرية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، وهو ما يمنح أي تعاون في هذا المجال بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.
وفي هذا السياق، كانت مؤسسات مصرية رسمية قد أكدت خلال الأشهر الماضية عمق هذا الامتداد. فبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، خلال استقباله السفير السوداني في 19 مايو 2026، إن عدد الطلاب السودانيين الدارسين بالأزهر يبلغ نحو 10 آلاف طالب، بينهم 888 طالبًا على منح دراسية، فيما يقدم الأزهر 220 منحة سنويًا لأبناء السودان الراغبين في الالتحاق بجامعة الأزهر.
هذه الأرقام توضح أن التعاون الديني والثقافي بين القاهرة والخرطوم ليس ملفًا جديدًا، وإنما يستند إلى بنية مؤسسية وتعليمية قائمة بالفعل، وهو ما يجعل أي اتفاقات تخص التدريب أو الفعاليات المشتركة قابلة للتنفيذ سريعًا إذا توفرت لها الآليات التنظيمية المناسبة.
أكاديمية الأوقاف الدولية في قلب التحرك
التركيز على أكاديمية الأوقاف الدولية خلال اللقاء يكشف اتجاه وزارة الأوقاف إلى توظيف أدواتها التدريبية في دعم الشراكات الخارجية، خاصة مع الدول العربية والإفريقية. وخلال العامين الماضيين، برزت الأكاديمية باعتبارها منصة لتأهيل الأئمة والدعاة والواعظات، وربط الخطاب الديني بالتحديات المجتمعية والفكرية المعاصرة.
كما أن وزارة الأوقاف كانت قد كثفت من حضورها المؤسسي في العاصمة الإدارية الجديدة، سواء عبر اجتماعاتها الرسمية أو عبر فعاليات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهو ما ظهر أيضًا في احتفالية تكريم خريجي منحة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية من الطلاب الوافدين، التي أُقيمت في مسجد مصر بالعاصمة الجديدة خلال أغسطس 2026.
تبادل الخبرات لا يقتصر على الوعظ التقليدي
الحديث عن تدريب الأئمة والواعظات لا يعني فقط الجوانب العلمية الشرعية، بل يشمل كذلك مهارات الاتصال، وفهم المتغيرات الاجتماعية، وأساليب تقديم خطاب ديني رشيد يواجه التطرف ويعزز التعايش. ولهذا تبدو صيغة التعاون التي جرى بحثها بين الوزير والسفير السوداني ذات طابع عملي، خصوصًا إذا اقترنت بدورات متخصصة وورش عمل وزيارات متبادلة بين المؤسسات المعنية.
امتداد لعلاقات مصر والسودان على المستوى الشعبي والثقافي
بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا النوع من التعاون يلامس واحدة من أقدم دوائر التواصل بين البلدين: التعليم الديني والثقافة المشتركة. فالعلاقات المصرية السودانية لم تتشكل فقط عبر السياسة والاقتصاد، بل أيضًا عبر الدراسة في الأزهر، وحركة العلماء والطلاب، والتقارب الاجتماعي بين الشعبين.
ومن هنا، فإن توسيع قنوات التعاون بين وزارة الأوقاف المصرية والجهات المختصة في السودان يمكن أن ينعكس على أكثر من مستوى، من بينها:
- تأهيل الأئمة والواعظات عبر برامج مشتركة ومنهجيات تدريب حديثة.
- تنظيم فعاليات علمية ودعوية تخاطب التحديات الفكرية الراهنة في البلدين.
- تعزيز التواصل الثقافي من خلال الندوات وتبادل الخبرات المؤسسية.
- دعم الطلاب والكوادر الدينية المستفيدين من الروابط الممتدة مع الأزهر والمؤسسات المصرية.
رسالة مصرية واضحة: دعم الشراكة مع السودان
الرسالة الأبرز من اللقاء أن القاهرة ما زالت تنظر إلى التعاون مع السودان باعتباره أولوية ثابتة في دوائرها العربية والإفريقية، خصوصًا في الملفات المرتبطة ببناء الوعي ونشر الفكر الوسطي. وقد أكد وزير الأوقاف خلال الاجتماع حرص الوزارة على توسيع التعاون مع الأشقاء في السودان، وتعزيز التنسيق في المجالات الدعوية والعلمية والتدريبية، بما يدعم تبادل الخبرات ويرفع مستوى التأهيل الدعوي.
وفي ضوء ما أعلن رسميًا، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من البرامج التطبيقية بين الجانبين، خاصة أن أسس التعاون موجودة بالفعل، سواء عبر المؤسسات الدينية المصرية أو عبر الحضور السوداني الواسع في الأزهر. ويبقى التحدي الأساسي في تحويل هذا التفاهم إلى خطوات منتظمة ومستمرة، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الروابط التاريخية بين القاهرة والخرطوم.
وبالنسبة لمصر، فإن توسيع هذا المسار يمنح وزارة الأوقاف مساحة إضافية لترسيخ دورها في الدبلوماسية الدينية والثقافية، في وقت تزداد فيه أهمية القوة الناعمة المصرية داخل محيطها العربي والإفريقي.