وزير الخارجية يبحث مع نظيره التونسي تهدئة التوتر بالمنطقة
لقاء مصري تونسي في عمّان لتنسيق المواقف بشأن التهدئة
في تحرك دبلوماسي يعكس استمرار الحضور المصري النشط في ملفات الإقليم، التقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، نظيره التونسي محمد علي النفطي على هامش اجتماع وزاري عُقد في العاصمة الأردنية عمّان وارتبط بمتابعة التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية والقدس. وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، ناقش الجانبان سبل خفض التصعيد في المنطقة، إلى جانب تأكيدهما خصوصية العلاقات الثنائية بين القاهرة وتونس وما تستند إليه من روابط تاريخية وشعبية راسخة بين البلدين الشقيقين.
اللقاء يندرج ضمن سلسلة اتصالات وتحركات مصرية مكثفة تقودها وزارة الخارجية خلال الفترة الأخيرة للتعامل مع التوترات المتلاحقة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الحرب في غزة، والضغوط المتزايدة على مسار التسوية السياسية، إضافة إلى الحفاظ على وحدة الموقف العربي في الملفات الإقليمية الأكثر حساسية.
ماذا دار في اللقاء؟
المعطيات المعلنة من الجانب المصري تشير إلى أن المباحثات ركزت على محورين رئيسيين: الأول يتعلق بالعلاقات المصرية التونسية وسبل تطويرها، والثاني يتصل بالتشاور السياسي حول الأوضاع الإقليمية وضرورة العمل على احتواء التصعيد. وأكد الوزيران الحرص على البناء على ما تشهده العلاقات بين البلدين من تواصل سياسي مستمر، مع الدفع باتجاه مزيد من التنسيق في القضايا العربية والأفريقية ذات الاهتمام المشترك.
أهمية هذا النوع من اللقاءات لا تتوقف عند البعد الثنائي فقط، بل تمتد إلى صياغة مواقف عربية أكثر تماسكا في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، خصوصا مع استمرار العدوان على قطاع غزة وتعثر الجهود الدولية في فرض تهدئة مستقرة وشاملة.
القضية الفلسطينية في صدارة التحركات المصرية
الموقف المصري المعلن خلال مناسبات عدة بقي ثابتا في الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، مع التمسك بحل الدولتين على أساس حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وزارة الخارجية المصرية أكدت في أكثر من مناسبة خلال عامي 2025 و2026 أن خفض التصعيد لا ينفصل عن مسار سياسي جاد يفضي إلى تسوية عادلة ودائمة، وأن استمرار الحرب يهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار في الإقليم.
وفي هذا السياق، شارك الوزير بدر عبد العاطي في اجتماعات عربية وإسلامية ودولية متعددة تناولت غزة والقدس وتنفيذ حل الدولتين، كما أجرى اتصالات مكثفة مع عدد من وزراء الخارجية العرب للتشاور بشأن تطورات القضية الفلسطينية وسبل تنسيق المواقف العربية. هذا النشاط الدبلوماسي يوضح أن القاهرة تتحرك على أكثر من مسار في وقت واحد: المسار الإنساني، والمسار السياسي، ومسار احتواء التوتر الإقليمي.
العلاقات المصرية التونسية.. مسار تعاون يتجاوز البيانات البروتوكولية
العلاقات بين مصر وتونس تحظى بزخم واضح على مستوى التشاور السياسي. وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أن التواصل بين الجانبين لم ينقطع، سواء عبر اللقاءات الثنائية أو من خلال آليات التشاور الإقليمي. كما استقبلت تونس الوزير بدر عبد العاطي في زيارة رسمية إلى مطار قرطاج الدولي يوم 25 يناير 2026، وكان في استقباله الوزير محمد علي النفطي، في إطار المشاركة في اجتماع آلية التشاور الثلاثي بين مصر وتونس والجزائر حول ليبيا، إلى جانب عقد لقاءات ثنائية لدعم العلاقات بين البلدين.
هذه التحركات تعكس أن التنسيق المصري التونسي لا يقتصر على الملف الفلسطيني، بل يشمل كذلك ملفات الجوار العربي، وعلى رأسها الأزمة الليبية، التي تمثل أولوية مباشرة للأمن القومي في شمال أفريقيا. ومن هذا المنظور، فإن لقاء عمّان يكتسب بعدا أوسع من مجرد التشاور الظرفي، لأنه يأتي ضمن مسار ممتد من الحوار السياسي المنتظم بين البلدين.
لماذا يحمل اجتماع عمّان أهمية خاصة لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن أي اجتماع وزاري يُعقد بشأن القدس أو القضية الفلسطينية يكتسب حساسية سياسية ودبلوماسية مضاعفة. فالقاهرة تنظر إلى استقرار الإقليم باعتباره جزءا من أمنها القومي المباشر، كما تعتبر أن الحفاظ على الحقوق الفلسطينية ورفض فرض الأمر الواقع بالقوة يشكلان ركيزة أساسية للأمن العربي. ومن هنا، جاء التشديد المصري المتكرر على أن التهدئة ليست مجرد مطلب إنساني عاجل، بل ضرورة سياسية لمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من المواجهة.
كما أن انعقاد اللقاء في عمّان يضيف بعدا عمليا للتنسيق العربي، نظرا للدور الأردني المحوري في ملف القدس والمقدسات، وهو ما يجعل أي مشاورات تُعقد هناك مرتبطة بصورة وثيقة بالتحرك العربي المشترك إزاء التطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
رسائل سياسية من القاهرة إلى الإقليم
يمكن قراءة اللقاء بين عبد العاطي والنفطي باعتباره حاملا لعدة رسائل سياسية واضحة:
- أولا: مصر مستمرة في تكثيف اتصالاتها العربية من أجل احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة التوتر.
- ثانيا: التنسيق الثنائي مع تونس يحافظ على زخمه، ليس فقط على مستوى العلاقات السياسية، بل أيضا في مقاربة القضايا الإقليمية المشتركة.
- ثالثا: القضية الفلسطينية لا تزال في قلب الدبلوماسية المصرية، سواء عبر الاتصالات الثنائية أو الاجتماعات متعددة الأطراف.
- رابعا: القاهرة تدفع باتجاه الجمع بين التهدئة الفورية والحل السياسي طويل المدى، بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمة من دون معالجة جذورها.
ما الذي يمكن متابعته لاحقا؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الاتصالات المصرية التونسية مرشحة للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، خصوصا مع بقاء ملفات غزة وليبيا والاستقرار الإقليمي على جدول الأولويات. ومن المرجح أن تواصل القاهرة البناء على هذا النوع من اللقاءات لتعزيز الموقف العربي المشترك، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنسيق سياسي كثيف بين العواصم العربية الرئيسية.
وفي المجمل، فإن لقاء وزير الخارجية المصري مع نظيره التونسي في عمّان يعكس دبلوماسية مصرية تتحرك على أساس مزدوج: حماية المصالح الوطنية المصرية من جهة، والدفع نحو تهدئة إقليمية أوسع من جهة أخرى، مع إبقاء القضية الفلسطينية في مركز التحرك السياسي العربي.