وزير الخزانة الأمريكي يصعّد: هل تنجح واشنطن في خنق إيران؟
تصعيد جديد من واشنطن.. لكن بأدوات مالية أكثر حدة
أعاد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت طرح سياسة الضغط الأقصى على إيران بلغة أكثر صراحة، متعهداً بتشديد الخناق المالي على طهران واستهداف مصادر تمويلها الأساسية، وعلى رأسها صادرات النفط وشبكات الشحن والوسطاء الماليون. بيسنت، الذي يشغل منصب وزير الخزانة الأمريكي منذ 28 يناير 2025 وفق البيانات الرسمية لوزارة الخزانة الأمريكية، قدّم هذا التوجه باعتباره جزءاً من مقاربة أوسع لإضعاف قدرة إيران على تمويل أنشطتها الإقليمية وبرامجها الاستراتيجية.
الرسالة الأمريكية لم تعد تقتصر على فرض عقوبات اعتيادية، بل تتحدث عن عزل اقتصادي منسق، يشمل أيضاً التهديد بما يُعرف بالعقوبات الثانوية على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران. هذا النوع من العقوبات هو الأكثر حساسية، لأنه لا يستهدف طهران وحدها، بل يضع شركاءها التجاريين أمام خيار صعب: السوق الأمريكية أم السوق الإيرانية.
ما الذي قاله بيسنت فعلياً؟
في خطاب ألقاه يوم 6 مارس 2025 في النادي الاقتصادي بنيويورك، قال بيسنت إن الإدارة الأمريكية ستعيد تفعيل حملة الضغط الأقصى على إيران، مضيفاً أن الهدف هو تقليص صادراتها النفطية والضغط على عملتها. وفي 2 أبريل 2025، أوضح في فعالية متخصصة نظمتها وزارة الخزانة أن الحملة تستهدف كل مراحل سلسلة النفط الإيرانية، من الاستخراج إلى البيع ثم التسوية المالية. وبعد ذلك واصلت الوزارة الإعلان عن حزم عقابية متتالية، بينها إجراءات وصفتها الخزانة في 30 يوليو 2025 بأنها الأكبر منذ استئناف حملة الضغط الأقصى، وشملت أكثر من 115 عقوبة على أفراد وكيانات وسفن مرتبطة بشبكات الشحن الإيرانية.
وخلال أغسطس 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن بيسنت قوله إن إيران ستواجه “أكبر عزلة اقتصادية منسقة في تاريخ العالم”، مع تلويحه بمعاقبة الدول والشركات التي تواصل الأعمال مع طهران. هذا التطور مهم لأنه يكشف أن واشنطن لا تريد فقط خفض العائدات الإيرانية، بل إعادة رسم حدود المسموح في التجارة والطاقة والتمويل بالنسبة إلى كل من يتعامل مع إيران.
من أين تأتي قوة العقوبات الأمريكية؟
قوة العقوبات الأمريكية لا تنبع فقط من حجم الاقتصاد الأمريكي، بل من مركزية الدولار والنظام المالي الأمريكي في التجارة الدولية. عندما تضع وزارة الخزانة شركة أو سفينة أو وسيطاً مصرفياً على قوائم العقوبات، فإن الأثر لا يبقى محصوراً داخل الولايات المتحدة، بل يمتد إلى البنوك وشركات التأمين والشحن حول العالم، لأن كثيراً من المعاملات العابرة للحدود تمر بشكل أو بآخر عبر النظام المالي المرتبط بالدولار.
لهذا تبدو تصريحات بيسنت أخطر من مجرد موقف سياسي. الرجل يتحدث بصفته المسؤول عن الأداة التنفيذية الأهم في الحرب الاقتصادية الأمريكية. كما أن وزارة الخزانة ربطت هذه المقاربة بمذكرة الأمن القومي الرئاسية رقم 2 الصادرة في 4 فبراير 2025، والتي أعادت رسمياً حملة الضغط الاقتصادي الأقصى على إيران وخفض صادراتها النفطية نحو الصفر.
هل الاقتصاد الإيراني قابل لمزيد من الضغط؟
الإجابة المختصرة: نعم، لكن ليس بلا حدود. وزارة الخزانة الأمريكية نفسها قالت في مارس 2025 إن الاقتصاد الإيراني يعاني تضخماً رسمياً عند 35%، مع تراجع العملة بنحو 60% خلال 12 شهراً وأزمة طاقة داخلية. كما تُظهر تقديرات صندوق النقد الدولي أن التضخم في إيران ظل مرتفعاً للغاية، مع توقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني في 2026 بنسبة 5.4% وفق صفحة إيران الرسمية لدى الصندوق، بينما تشير تحديثات الصندوق الإقليمية إلى استمرار ضغوط الأسعار والاختلالات المرتبطة بالعقوبات وسعر الصرف.
لكن التجربة تقول أيضاً إن الاقتصاد الإيراني طوّر خلال سنوات العقوبات الطويلة آليات التفاف متنوعة: أساطيل شحن غير شفافة، وسطاء، خصومات سعرية، وتجارة مع أطراف مستعدة لتحمل المخاطر. لذلك فإن نجاح واشنطن لا يتوقف فقط على إصدار قرارات جديدة، بل على قدرتها على سد الثغرات التي تستخدمها طهران لتسويق نفطها وتحصيل عائداته.
النفط هو ساحة المعركة الحقيقية
النفط يبقى جوهر المواجهة. وزارة الخزانة الأمريكية شددت في بياناتها خلال 2025 و2026 على استهداف “الأسطول الظل” الذي تعتمد عليه إيران لنقل النفط، وعلى ملاحقة المشترين والمصافي والوسطاء. ومن منظور تحليلي، فإن هذه السياسة تستهدف أهم شريان نقدي للنظام الإيراني: الدولار الآتي من تصدير الخام والمشتقات.
بالنسبة إلى القارئ المصري، تكمن أهمية هذا الملف في أن أي اضطراب واسع في تدفقات الطاقة أو في أمن الملاحة الإقليمي قد ينعكس على تكلفة الشحن وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. مصر ليست طرفاً في العقوبات الأمريكية على إيران، لكنها تتحرك في إقليم يتأثر مباشرة بكل تغير في معادلة النفط والممرات البحرية، من الخليج إلى البحر الأحمر.
العراق والإقليم.. أين تظهر الضغوط الجانبية؟
من الإشارات اللافتة في التصعيد الأمريكي أن واشنطن لم تحصر حديثها بطهران نفسها. في 6 مارس 2025 قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس إن كل الإعفاءات التي تمنح إيران قدراً من التخفيف الاقتصادي تخضع للمراجعة، مع حضّ الحكومة العراقية على تقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الإيرانية بأسرع ما يمكن. وهذا يعني أن العقوبات تُستخدم أيضاً لإعادة تشكيل بيئة الطاقة الإقليمية، لا فقط لمعاقبة إيران.
هنا تحديداً تظهر كلفة السياسة الأمريكية على الجوار: حين تُضغط دولة كبيرة ومعقدة مثل إيران مالياً، فإن الدول المتصلة بها كهربائياً أو تجارياً أو لوجستياً تجد نفسها مضطرة إلى إعادة الحسابات بسرعة. ومن ثم فإن أثر العقوبات يتجاوز الملف النووي أو الخلاف الأمريكي الإيراني المباشر، ليمس توازنات أوسع في الشرق الأوسط.
هل الهدف إسقاط النظام أم تعديل السلوك؟
الخطاب السياسي المتشدد يوحي أحياناً بأن واشنطن تريد دفع النظام الإيراني إلى حافة الاختناق. لكن في التحليل العملي، تبدو العقوبات أداة لفرض كلفة مرتفعة على خيارات طهران، أكثر من كونها وصفة مضمونة لتغيير النظام. التجارب السابقة، من إيران إلى دول أخرى، تُظهر أن العقوبات قد تُضعف النمو وتضغط على العملة وتُربك التجارة، لكنها لا تضمن وحدها تحولاً سياسياً داخلياً حاسماً.
الأقرب إلى الواقع أن إدارة دونالد ترامب تستخدم وزارة الخزانة، بقيادة سكوت بيسنت، لرفع سقف التهديد الاقتصادي إلى أقصى درجة ممكنة، على أمل انتزاع تنازلات استراتيجية أو فرض ردع طويل الأمد. لكن هذا النهج يحمل مفارقة معروفة: كلما اشتدت العقوبات، زادت أيضاً حوافز الالتفاف عليها، واتسعت الأسواق الرمادية التي يصعب ضبطها بالكامل.
ماذا يعني هذا لمصر؟
من زاوية مصرية، لا ينبغي النظر إلى التصعيد الأمريكي ضد إيران كخبر خارجي بعيد. فالقضية تمس ثلاث دوائر تهم القاهرة مباشرة:
- أسواق الطاقة: أي توتر يرفع علاوة المخاطر في المنطقة ينعكس على الأسعار وكلفة الاستيراد والشحن.
- الملاحة الإقليمية: اضطراب حركة التجارة في الممرات البحرية يضغط على سلاسل الإمداد ويؤثر على حركة التجارة العالمية المرتبطة بالمنطقة.
- الاستقطاب السياسي: توسيع العقوبات الثانوية يضع عدداً أكبر من الحكومات والشركات أمام ضغوط أمريكية مباشرة في تعاملاتها الإقليمية.
لهذا فإن متابعة تصريحات بيسنت ليست مجرد رصد لتصعيد لفظي، بل قراءة لتحول في استخدام المال كسلاح جيوسياسي. والدرس الأهم هنا أن واشنطن تراهن على أن الحصار المالي يمكن أن يفعل ما تعجز عنه أدوات أخرى.
الخلاصة
تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تعكس مرحلة جديدة من التشدد الأمريكي تجاه إيران، عنوانها الأوضح: النفط، الدولار، والعقوبات الثانوية. لكن فعالية هذا المسار ستظل مرهونة بقدرة واشنطن على فرض التزام دولي واسع، وبمدى استعداد الأسواق والفاعلين الإقليميين لتحمل كلفة القطيعة مع طهران. في النهاية، قد تنجح أمريكا في زيادة الضغط، لكنها لا تملك بعد دليلاً قاطعاً على أن أكبر حصار مالي سيقود بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي تريدها.