Akhbar Cairo

وزير الري: احتياجات مصر المائية تبلغ 120 مليار متر مكعب سنويًا

مصر أمام معادلة مائية ضاغطة

جدد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، التأكيد على أن الاحتياجات المائية السنوية لمصر تبلغ نحو 120 مليار متر مكعب، في وقت لا تستطيع فيه الدولة تغطية أكثر من 89 مليار متر مكعب عبر الموارد المتاحة وإعادة استخدام المياه، إلى جانب ما وصفه بالاعتماد على “المياه الافتراضية” الواردة في صورة غذاء مستورد من الخارج. وجاءت تصريحات الوزير خلال الجلسة الافتتاحية لـأسبوع القاهرة التاسع للمياه، المنعقد في أكتوبر 2026 تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.

هذه الأرقام تعكس بوضوح حجم التحدي الذي يواجه ملف الأمن المائي المصري، خاصة في ظل محدودية الموارد الطبيعية التقليدية، وفي مقدمتها حصة مصر السنوية من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب وفق اتفاق 1959، بينما تستمر الاحتياجات في الارتفاع بفعل الزيادة السكانية والتوسع العمراني والزراعي والصناعي.

ماذا تعني أرقام 120 مليارًا مقابل 89 مليارًا؟

الرقم الذي أعلنه الوزير لا يشير فقط إلى الاستهلاك الجاري، بل يعبر عن إجمالي الاحتياجات المائية اللازمة لتلبية متطلبات الشرب والزراعة والصناعة والغذاء، في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل كمصدر رئيسي للحياة والتنمية. أما رقم 89 مليار متر مكعب، فيمثل ما يمكن لمصر تدبيره فعليًا من خلال الموارد المتاحة محليًا، إضافة إلى التوسع في إعادة استخدام المياه ومشروعات المعالجة.

ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة لأن الوزير أشار أيضًا إلى تراجع نصيب الفرد من المياه في مصر إلى 473 مترًا مكعبًا سنويًا خلال 2026، وهو مستوى يقل كثيرًا عن خط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب للفرد سنويًا. ويعني ذلك أن الضغوط على الموارد المائية لم تعد قضية مستقبلية، بل واقعًا قائمًا يفرض على الدولة إدارة شديدة الدقة لكل متر مكعب.

لماذا تتسع الفجوة المائية في مصر؟

تعود الفجوة المائية في مصر إلى عدة عوامل متراكبة، أبرزها ثبات الموارد المائية التقليدية مقابل نمو سكاني مستمر. فالكميات نفسها التي كانت تخدم عشرات الملايين قبل عقود، باتت اليوم مطالبة بخدمة ما يقرب من 120 مليون مواطن، بحسب تصريحات سابقة لوزير الري. كما أن احتياجات الزراعة، التي تظل أكبر مستهلك للمياه، تتزايد بالتوازي مع سعي الدولة لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل فجوة الاستيراد.

وتطرح الدولة المصرية الملف المائي بوصفه ملفًا سياديًا وتنمويًا في آن واحد، لأن المياه ترتبط مباشرة بالغذاء والاستثمار والصناعة والوظائف والتنمية الإقليمية. لهذا السبب، تحرص وزارة الموارد المائية والري بقيادة هاني سويلم على الدفع بمفهوم الإدارة المتكاملة للمياه، مع توسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة وتحسين كفاءة شبكات الري ومتابعة الاستخدامات على مستوى المحافظات.

كيف تتحرك الدولة لسد العجز؟

في السنوات الأخيرة، اتجهت مصر إلى التوسع في إعادة استخدام المياه باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لتقليص الفجوة بين الطلب والموارد. وتشير بيانات وزارة الري وتصريحات الوزير في مناسبات متعددة إلى أن الدولة ضخت استثمارات كبيرة في مشروعات المعالجة وإعادة الاستخدام، إلى جانب تطوير المنظومة المائية ورفع كفاءة النقل والتوزيع وتقليل الفواقد.

كما تواصل الحكومة عرض هذا الملف في المحافل الإقليمية والدولية، ليس فقط من زاوية التحدي المحلي، بل أيضًا باعتباره نموذجًا لدول تعاني ندرة مائية حادة. ومن هذا المنطلق، تركز القاهرة على ربط قضايا المياه بالتغير المناخي والتنمية المستدامة والأمن الغذائي، وهو ما يفسر الزخم الذي يحظى به أسبوع القاهرة للمياه كمنصة سياسية وفنية تجمع مسؤولين وخبراء من داخل مصر وخارجها.

أسبوع القاهرة للمياه 2026.. منصة لعرض أزمة حقيقية

يحمل انعقاد أسبوع القاهرة التاسع للمياه في أكتوبر 2026 دلالة مهمة، خاصة أنه يأتي قبل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، وتعمل مصر على توظيفه كمساحة للحوار حول المرونة المائية والتمويل والتكنولوجيا والتعاون الدولي. ووفق وزارة الموارد المائية والري، فإن نسخة هذا العام تُعقد تحت شعار “المياه كمحفّز للسلام والازدهار المشترك وكوكب مستدام”، بما يعكس رغبة مصر في وضع ملف المياه ضمن أولويات الأجندة الدولية.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الوزير هاني سويلم (@hani_sewilam على إنستغرام) جزءًا من رسالة أوسع مفادها أن إدارة المياه في مصر لم تعد مجرد شأن خدمي، بل قضية تمس استقرار المجتمع وقدرته على التكيف مع الضغوط السكانية والمناخية والاقتصادية. وقد سبق للوزارة أن شددت في أكثر من مناسبة على أن تعظيم الاستفادة من كل مورد مائي متاح بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.

الأمن المائي المصري بين الضرورة والإدارة الرشيدة

اللافت في تصريحات وزير الري أن الأرقام المطروحة تكشف الفرق بين الاحتياجات الفعلية والقدرة الحالية على التدبير، لا مجرد الفرق بين الموارد الطبيعية والاستهلاك المباشر. وهذا يعني أن مصر تتعامل مع المسألة بمنظور أوسع يشمل أيضًا الغذاء المستورد، وإعادة الاستخدام، والاستثمارات الضخمة اللازمة للحفاظ على استدامة الموارد. وهذه قراءة مهمة لفهم لماذا يتكرر الحديث رسميًا عن “الفقر المائي” بوصفه واقعًا قائمًا لا احتمالًا بعيدًا.

وبالنسبة للمواطن المصري، تنعكس هذه المعادلة على سياسات الترشيد، وتحديث نظم الري، ومشروعات المعالجة، وحملات رفع الوعي، فضلًا عن ارتباطها بأسعار الغذاء وتكلفة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل. فكلما اتسعت الفجوة بين المطلوب والمتاح، زادت الحاجة إلى سياسات أكثر كفاءة في إدارة الموارد، وإلى تنسيق أعلى بين مؤسسات الدولة المعنية بالمياه والزراعة والتنمية المحلية والصناعة. وهذا استنتاج تحليلي تدعمه الأرقام التي أعلنها الوزير، إلى جانب ما تنشره وزارة الري دوريًا عن التوسع في إعادة الاستخدام وتحسين الإدارة المائية.

في المحصلة، تؤكد تصريحات هاني سويلم أن مصر ما زالت تتحرك داخل معادلة مائية شديدة الحساسية: احتياجات سنوية عند مستوى 120 مليار متر مكعب، مقابل 89 مليارًا فقط يمكن تدبيرها. وبين الرقمين تقف تحديات السكان والغذاء والمناخ والتنمية، ما يجعل ملف المياه واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا في الداخل المصري خلال السنوات المقبلة.