Akhbar Cairo

وزير الري الأسبق: كفاءة استخدام المياه في مصر تقترب من 70%

كفاءة المياه في مصر بين الضغط المتزايد وحتمية الإدارة الدقيقة

عاد ملف المياه إلى الواجهة في مصر بعد تصريحات الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، التي قال فيها إن كفاءة استخدام الموارد المائية في مصر تقترب من 70%، مؤكدًا أن القضية لم تعد مجرد مسألة فنية تخص شبكات الري والترع، بل باتت ترتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي وقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان والقطاعات الإنتاجية.

وتأتي هذه التصريحات في سياق ضغوط مائية مستمرة تواجهها مصر، حيث أوضح علام أن الموارد المتاحة لم تعد تكفي وحدها لملاحقة الطلب المتزايد على المياه في الشرب والزراعة والصناعة، ما يفرض التوسع في الترشيد وإعادة الاستخدام وتحسين إدارة كل متر مكعب متاح. كما شدد على أهمية الإدارة الاقتصادية لاستخدامات المياه، خاصة داخل القطاع الزراعي الذي يستهلك النصيب الأكبر من الموارد المائية.

من هو محمد نصر الدين علام؟

بحسب الموقع الرسمي لوزارة الموارد المائية والري، شغل الدكتور محمد نصر الدين علام منصب وزير الموارد المائية والري في الفترة من 11 مارس 2009 إلى 30 يناير 2011. وتوضح الوزارة أنه من مواليد 22 ديسمبر 1952، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1975، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في الولايات المتحدة. كما تولى رئاسة قسم الري والهيدروليكا بكلية الهندسة في جامعة القاهرة قبل دخوله التشكيل الوزاري.

ماذا يعني رقم 70% عمليًا؟

عندما يُقال إن كفاءة استخدام المياه في مصر تصل إلى نحو 70%، فالمقصود هو أن جزءًا معتبرًا من المياه المتاحة يتم توظيفه وإعادة تدويره داخل المنظومة المائية والزراعية بدرجة أعلى من كثير من الدول التي تعتمد على مورد نهري واحد. هذا الرقم يكتسب أهمية خاصة لأن مصر تُعد من الدول الأكثر اعتمادًا على موارد مائية تأتي من خارج حدودها.

ووفق عرض رسمي حديث نشرته الهيئة العامة للاستعلامات عن تصريحات وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، فإن أكثر من 98% من الموارد المائية المتجددة في مصر تأتي من خارج الحدود. كما أشار العرض إلى أن الموارد المتاحة تُقدَّر بنحو 56.8 مليار متر مكعب سنويًا، في حين تقترب الاحتياجات المائية من 123 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين المتاح والمطلوب.

وفي السياق نفسه، تشير البيانات الرسمية إلى أن نصيب الفرد السنوي من المياه المتجددة في مصر يبلغ نحو 472 مترًا مكعبًا، وهو مستوى يقل عن حد الندرة المطلقة للمياه البالغ 500 متر مكعب سنويًا للفرد. وهذه الأرقام تفسر لماذا تحظى كفاءة الاستخدام بأولوية قصوى في الخطاب الرسمي والنقاش العام داخل مصر.

إعادة الاستخدام والمعالجة في صدارة الحلول

اللافت أن تصريحات علام تتقاطع مع ما تؤكده مؤسسات الدولة حاليًا بشأن التوسع في إعادة استخدام المياه بدل الاعتماد فقط على الموارد التقليدية. فبحسب العرض الرسمي نفسه، تعيد مصر استخدام نحو 23.2 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، كما أسهمت المشروعات القومية الكبرى لمعالجة مياه المصارف الزراعية في إضافة طاقة معالجة تقارب 4.8 مليار متر مكعب سنويًا.

هذا التوجه لم يعد مجرد خيار احتياطي، بل تحول إلى ركيزة أساسية في إدارة الملف المائي. وتشمل الأدوات المستخدمة حاليًا مشروعات المعالجة، والتوسع في التحلية في المناطق الساحلية، والاستفادة من المياه الجوفية وفق ضوابط فنية، إلى جانب إدخال نظم متابعة رقمية وصور أقمار صناعية وتقنيات حديثة في مراقبة المجاري المائية.

لماذا يظل القطاع الزراعي محور الأزمة والحل؟

الزراعة تظل القطاع الأكثر ارتباطًا بالنقاش حول الكفاءة، لأنها المستهلك الأكبر للمياه في مصر. ولهذا ركز وزير الري الأسبق في حديثه على ضرورة الإدارة الاقتصادية الرشيدة للمياه داخل هذا القطاع، عبر الموازنة بين تكلفة توفير المياه والعائد من المحاصيل. هذه الفكرة تعكس توجهًا أوسع داخل الدولة يدعو إلى رفع إنتاجية وحدة المياه، وليس فقط زيادة المساحات أو التوسع في السحب من الموارد المحدودة.

ومن هنا تبرز أهمية تحديث أساليب الري، وتحسين توزيع المياه على الترع والمساقي، وتقليل الفواقد، ورفع كفاءة الشبكات، وهي مسارات عمل مطروحة منذ سنوات وتزداد إلحاحًا مع استمرار النمو السكاني واتساع الطلب على الغذاء.

الفجوة المائية.. أرقام تشرح حجم التحدي

ليست المشكلة في رقم واحد فقط، بل في تداخل عدة مؤشرات: حصة ثابتة تاريخيًا من مياه النيل، نمو سكاني متواصل، واحتياجات متزايدة لقطاعات الشرب والصناعة والزراعة. وكان محمد نصر الدين علام قد قال في تصريحات منشورة حديثًا إن حصة مصر من مياه النيل لم تعد تكفي الاحتياجات المتزايدة، مشيرًا إلى أن الأمر يتطلب تكثيف جهود الترشيد وتعظيم الاستفادة من كل الموارد المتاحة.

كما سبق أن نُشر عنه في تصريحات أخرى أن نصيب المواطن المصري من المياه انخفض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا مع تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة، وهو ما يضع مصر بوضوح ضمن الدول التي تعاني شحًا مائيًا حادًا. ورغم اختلاف التقديرات الزمنية باختلاف سنة القياس، فإن الاتجاه العام ثابت: الضغط يتزايد، والهوامش المتاحة للمناورة تصبح أضيق.

كيف تنظر الدولة إلى المرحلة المقبلة؟

الرسالة الأساسية التي تتكرر في التصريحات الرسمية والخبرات الفنية هي أن مصر انتقلت من إدارة وفرة نسبية إلى إدارة ندرة دائمة. ولذلك لم يعد كافيًا الحديث عن توفير المياه فقط، بل عن إدارة ذكية للمورد تشمل الاستخدام، وإعادة الاستخدام، والرقمنة، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتوجيه الاستثمارات نحو المشروعات الأعلى مردودًا.

  • الترشيد: خفض الفاقد وتحسين سلوك الاستهلاك في الزراعة والاستخدامات المنزلية.
  • المعالجة: زيادة الاعتماد على محطات معالجة وإعادة استخدام مياه المصارف.
  • التكنولوجيا: التوسع في المتابعة الرقمية وصور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي.
  • التخطيط الزراعي: دعم محاصيل وأنماط إنتاج تحقق عائدًا أفضل لكل وحدة مياه.

خلاصة المشهد

تصريح وزير الري الأسبق بشأن وصول كفاءة استخدام المياه في مصر إلى نحو 70% يسلط الضوء على جانب إيجابي مهم، وهو أن مصر استطاعت بالفعل بناء منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة. لكن هذا الإنجاز لا يلغي حقيقة أن البلاد تعمل تحت ضغط مائي شديد، تؤكده الأرقام الرسمية المتعلقة بالموارد والاحتياجات ونصيب الفرد.

وبينما تمضي الدولة في مشروعات المعالجة وإعادة الاستخدام والتحول إلى الإدارة الذكية للمياه، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا المستوى من الكفاءة ورفعه تدريجيًا، بالتوازي مع سياسات زراعية ومائية أكثر دقة، حتى تظل كل قطرة مياه قادرة على خدمة احتياجات المصريين في السنوات المقبلة.