وزير الري الأسبق: مصر وحدها في حوض النيل تواجه فقرًا مائيًا حادًا
تحذير جديد بشأن الأمن المائي في مصر
عاد ملف المياه إلى صدارة النقاش العام في مصر بعد تصريحات الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، التي أكد فيها أن مصر هي الدولة الوحيدة بين دول حوض النيل التي تواجه أزمة مائية حقيقية بهذا الحجم، موضحًا أن نصيب الفرد من المياه تراجع إلى مستوى يقل بنحو النصف عن الحد الأدنى المتعارف عليه دوليًا للفقر المائي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل استمرار الضغوط على الموارد المائية، سواء بسبب النمو السكاني أو ثبات الموارد المتجددة أو التحديات الإقليمية المرتبطة بنهر النيل، الذي يمثل الشريان الرئيسي للمياه في البلاد.
كيف شرح وزير الري الأسبق جذور الأزمة؟
بحسب ما طرحه علام، فإن السد العالي واتفاقية تقاسم مياه النيل الموقعة عام 1959 بين مصر والسودان لم يكونا مجرد ترتيبات هندسية أو قانونية عابرة، بل تأسسا أساسًا لمواجهة سنوات الجفاف وضمان وجود مخزون استراتيجي يحمي مصر عند تراجع الإيراد الطبيعي للنهر.
الفكرة الجوهرية، كما أوضح، قامت على تخزين كميات من المياه التي كانت تتجه إلى البحر المتوسط خلال فترات الوفرة، بحيث يمكن استخدامها لاحقًا عندما تنخفض التدفقات. ومن هذا المنطلق، جاء تصميم السد العالي باعتباره ركيزة للأمن المائي المصري، لا سيما في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة تقريبًا على نهر النيل.
أرقام رسمية: نصيب الفرد عند حدود 500 متر مكعب سنويًا
البيانات الرسمية الحديثة تدعم جوهر التحذيرات المتعلقة بندرة المياه. فقد أكدت وزارة الموارد المائية والري أن نصيب الفرد في مصر تراجع من نحو 2000 متر مكعب سنويًا عام 1962 إلى أقل من 1000 متر مكعب في التسعينيات، وصولًا إلى حوالي 500 متر مكعب سنويًا في الوقت الحالي، وهو ما يضع البلاد تحت خط الفقر المائي بوضوح.
وفي السياق نفسه، أشارت الهيئة العامة للاستعلامات، نقلًا عن تصريحات وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم في فبراير 2026، إلى أن مصر تعتمد على نهر النيل في نحو 98% من مواردها المائية، وأن متوسط نصيب الفرد البالغ 500 متر مكعب سنويًا يقل إلى أقل من نصف المستوى المرتبط بندرة المياه وفق المعايير الدولية.
ماذا يعني الفقر المائي لمصر؟
يُستخدم خط 1000 متر مكعب للفرد سنويًا على نطاق واسع كمؤشر على الفقر المائي، ما يعني أن الوضع المصري لم يعد مجرد ضغط موسمي، بل بات تحديًا هيكليًا طويل الأمد. ومع التزايد السكاني واستمرار الطلب المرتفع من قطاعات الزراعة والشرب والصناعة، تصبح إدارة كل قطرة مياه مسألة أمن قومي وتنموي في آن واحد.
لماذا تبدو مصر حالة مختلفة داخل حوض النيل؟
تصريحات علام ركزت على أن مصر تختلف عن بقية دول حوض النيل في نقطة محورية: الاعتماد شبه المطلق على مورد خارجي واحد. فبينما تمتلك دول أخرى في الحوض معدلات أمطار أعلى أو موارد مائية داخلية متنوعة أو كثافات سكانية أقل قياسًا بالموارد المتاحة، تواجه مصر معادلة أكثر صعوبة بسبب محدودية الأمطار وتركز السكان والأنشطة الاقتصادية في شريط ضيق حول النهر.
هذه الخصوصية تفسر الحساسية الكبيرة لأي تغير في إيراد النيل، كما تفسر أيضًا التمسك المصري التاريخي بسياسات التخزين، وإعادة الاستخدام، والتوسع في معالجة المياه، وتحديث نظم الري، وتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية.
السد العالي: من مشروع تنموي إلى صمام أمان
يتعامل خبراء المياه في مصر مع السد العالي باعتباره واحدًا من أهم أدوات الحماية من تقلبات الهيدرولوجيا في حوض النيل. فإلى جانب دوره في توليد الكهرباء وحماية البلاد من الفيضانات، يظل دوره الأهم هو تأمين مخزون مائي يمكن اللجوء إليه في فترات الشح.
وكانت وزارة الموارد المائية والري قد شددت في أكثر من مناسبة على أن مصر تواجه فجوة متزايدة بين الطلب على المياه والموارد المتاحة، وأن الإدارة الحديثة للمنظومة المائية أصبحت تعتمد على حزمة متكاملة من الحلول، تشمل:
- إعادة استخدام المياه بعد المعالجة.
- التوسع في التحلية خصوصًا في المدن الساحلية.
- تبطين وتأهيل الترع ورفع كفاءة النقل والتوزيع.
- تحديث أساليب الري في الأراضي الزراعية.
- الاعتماد على التكنولوجيا في إدارة الموارد المائية.
بين اتفاقية 1959 والواقع الحالي
الإشارة إلى اتفاقية 1959 تأتي في إطار التأكيد على أن إدارة مياه النيل بالنسبة لمصر لم تُبن فقط على تقديرات لحظية، بل على فلسفة تستهدف استيعاب دورات الجفاف الممتدة. ومع تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب، تبدو هذه الفلسفة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح الخطاب الرسمي المصري يركز بصورة متزايدة على مفهوم المرونة المائية، أي قدرة الدولة على الصمود أمام التقلبات، من خلال تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة، وتقليل الفاقد، وتوسيع مصادر الإمداد غير التقليدية.
الضغوط السكانية تزيد تعقيد المشهد
من بين أبرز العوامل التي تفاقم الأزمة، الزيادة السكانية المستمرة. ووفق بيانات وزارة الري، ورغم تراجع صافي النمو السكاني مقارنة بما كان عليه قبل أكثر من عقد، فإن عدد السكان لا يزال يشكل ضغطًا مباشرًا على الحصة المائية المتاحة، وهو ما يفسر الانخفاض الحاد في نصيب الفرد عبر العقود الماضية.
ومع اتساع الاحتياجات المعيشية والزراعية، تصبح قضية المياه في مصر مرتبطة بكل ملفات التنمية تقريبًا، من الأمن الغذائي إلى التوسع العمراني، ومن الصناعة إلى الصحة العامة.
رسالة التصريحات: إدارة الندرة لا تحتمل التأجيل
الخلاصة التي تعكسها تصريحات وزير الري الأسبق، مدعومة بالمؤشرات الرسمية الحديثة، هي أن مصر لا تواجه مجرد نقص عابر في الموارد، بل تعيش واقع الندرة المائية بكل أبعاده. ولذلك لم يعد النقاش مقتصرًا على الحصص والاتفاقيات وحدها، بل امتد إلى كيفية إدارة الندرة نفسها بكفاءة وعدالة واستدامة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا تتوقف عند الجدل السياسي أو الفني، لأن تأثيراته تمتد مباشرة إلى الزراعة، وأسعار الغذاء، وخطط التنمية، ومستقبل الأجيال المقبلة. وفي ظل وصول نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، تبدو الرسالة واضحة: المياه في مصر لم تعد ملفًا خدميًا فقط، بل قضية وجود وتنمية في الوقت نفسه.