وزير الري: تعاون مصر مع دول حوض النيل تجاوز 120 مليون دولار
مصر تعزز حضورها التنموي في دول حوض النيل
أكد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن إجمالي مشروعات التعاون التي نفذتها مصر مع دول حوض النيل بلغ نحو 120 مليون دولار، في إطار سياسة مصرية تقوم على دعم التنمية المشتركة وربط التعاون المائي باحتياجات المواطنين على الأرض. ويأتي هذا التحرك ضمن ملف يحظى بأولوية خاصة في القاهرة، ليس فقط باعتباره امتدادًا طبيعيًا للعلاقات المصرية الأفريقية، ولكن أيضًا بوصفه جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز الشراكة مع دول الحوض عبر مشروعات ملموسة وبرامج بناء قدرات ومساهمات فنية طويلة المدى.
الوزير استعرض هذه الأرقام خلال متابعة ملفات التعاون مع دول الحوض، ثم عاد وأكدها مجددًا خلال مشاركته في جلسة ضمن أسبوع القاهرة التاسع للمياه يوم 26 أكتوبر 2026، حيث أوضح أن مصر وقعت أكثر من 25 اتفاقية تعاون مع دول حوض النيل منذ عام 1999، وأن هذه الاتفاقيات ترجمت إلى مشروعات ميدانية وخدمات مباشرة للمجتمعات المحلية في عدد من الدول الأفريقية.
آلية تمويل مصرية جديدة بقيمة 100 مليون دولار
اللافت في التصريحات الأخيرة كان التأكيد على إطلاق آلية تمويل مصرية بقيمة 100 مليون دولار مخصصة لدراسة وتنفيذ مشروعات تنموية ذات أولوية في دول حوض النيل الجنوبي. وبحسب ما أعلنته وزارة الموارد المائية والري، جرى إطلاق هذه الآلية بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي وبالتنسيق بين وزارة الري ووزارة الخارجية، على أن تُستخدم في تمويل الدراسات والمشروعات التي تطلبها الدول الشريكة وفقًا لأولوياتها الوطنية.
هذا التوجه يعكس تغيرًا مهمًا في أسلوب إدارة التعاون المصري مع دول الحوض؛ فبدل الاكتفاء بالدعم الفني أو الدورات التدريبية، باتت القاهرة تطرح أيضًا أدوات تمويل تساعد على تحويل الأفكار والمقترحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، مع إتاحة مساحة أكبر لمشاركة الشركات المصرية الوطنية في أعمال التنفيذ والمتابعة.
ما طبيعة المشروعات التي تنفذها مصر؟
وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية والري، فإن التعاون المصري مع دول حوض النيل لا يقتصر على ملف واحد، بل يمتد إلى مجموعة من المشروعات المرتبطة مباشرة بحياة السكان. وتشمل هذه المشروعات:
- حفر آبار جوفية وتزويد بعضها بالطاقة الشمسية لتوفير مياه الشرب.
- إنشاء خزانات أرضية ومشروعات لحصاد مياه الأمطار.
- تنفيذ مراسٍ نهرية ومشروعات لخدمة المجتمعات المحلية.
- مقاومة الحشائش المائية وتطهير المجاري المائية.
- إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار والفيضانات ودعم نظم الإنذار المبكر.
- إقامة معامل ومراكز لتحليل نوعية المياه وبرامج للأبحاث التطبيقية.
- تدريب الكوادر الأفريقية وبناء القدرات المؤسسية والفنية.
وخلال عرض أحدث الأرقام، أشار سويلم إلى أن هذه الجهود شملت تنفيذ أكثر من 365 بئرًا جوفية ومحطة مياه تعمل بالطاقة الشمسية في 6 دول من دول الحوض، إضافة إلى مشروعات للحماية من الفيضانات وسدود لحصاد مياه الأمطار.
أوغندا ورواندا والكونغو الديمقراطية في صدارة المتابعة
المتابعة الأخيرة داخل وزارة الري ركزت على عدد من الملفات الثنائية النشطة. ففي أوغندا، تتابع مصر تنفيذ المرحلة السادسة من مشروع مقاومة الحشائش المائية الجارية منذ عام 2023، إلى جانب التعاون في الإدارة المتكاملة للموارد المائية. أما في رواندا، فقد شملت المناقشات مشروعات حصاد مياه الأمطار، والحماية من أخطار السيول باستخدام الحلول القائمة على الطبيعة، وإنشاء محطات للمياه الجوفية.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتابع القاهرة تشغيل مركز التنبؤ بالأمطار والتغيرات المناخية، فضلًا عن مشروعات محطات مياه الشرب الجوفية العاملة بالطاقة الشمسية، ومشروعات تطبيق نظم الري الحديث. كما شمل العرض الرسمي استمرار التنسيق مع السودان عبر الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل وبرامج التدريب وتبادل الخبرات الفنية.
الشركات المصرية تدخل بقوة في التنفيذ
في سياق متصل، عقد الدكتور هاني سويلم اجتماعًا في 2 يونيو 2026 مع ممثلي عدد من الشركات المصرية المرشحة للمشاركة في تنفيذ مشروعات بدول حوض النيل الجنوبي، من بينها المقاولون العرب، ووادي النيل، وحسن علام، والسويدي، وأوراسكوم، إلى جانب الشركة المصرية الأفريقية للمشروعات التنموية. ويكشف هذا الاجتماع بوضوح أن الدولة تتجه إلى ترجمة الحضور السياسي والفني في أفريقيا إلى مشروعات بنية تحتية وتنمية تنفذها شركات مصرية بخبرات محلية.
هذه النقطة تحمل أهمية خاصة بالنسبة لمصر، لأنها تمنح التعاون المائي بعدًا اقتصاديًا وتنمويًا في الوقت نفسه: دعم الدول الشقيقة بمشروعات مطلوبة، وفتح فرص جديدة أمام الشركات المصرية للتوسع في القارة الأفريقية ضمن أطر رسمية ومعلنة.
بناء القدرات.. مسار موازٍ للمشروعات
بعيدًا عن البنية التحتية، شدد وزير الري على أن بناء القدرات البشرية يبقى ركيزة أساسية في التعاون مع أفريقيا. ووفق ما أعلنه خلال أسبوع القاهرة للمياه، قامت مصر بتدريب نحو 1650 متخصصًا من 52 دولة أفريقية. ويعكس ذلك استمرار اعتماد القاهرة على مسارين متوازيين: الأول هو تنفيذ مشروعات على الأرض، والثاني هو نقل الخبرات الفنية والمؤسسية في مجالات المياه والري والتنبؤ بالمخاطر المناخية.
ومن منظور مصري، فإن هذا النوع من التعاون يرسخ الحضور المصري داخل القارة عبر أدوات عملية ومستدامة، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالمياه والتغيرات المناخية واحتياجات التنمية في دول الحوض.
لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟
ملف التعاون مع دول حوض النيل ليس ملفًا خارجيًا بعيدًا عن الداخل المصري، بل يرتبط مباشرة بمكانة مصر الإقليمية وبأحد أهم محددات أمنها الاستراتيجي، وهو نهر النيل. لذلك تحرص القاهرة على تقديم نموذج يقوم على التنمية والمنفعة المتبادلة، بدل حصر العلاقات في الخلافات أو التوترات فقط. هذا ما يظهر في تركيز وزارة الري على مشروعات مياه الشرب، والحماية من الفيضانات، والإنذار المبكر، والحلول القائمة على الطبيعة، وهي مجالات تمس احتياجات حقيقية في الدول الشريكة وتمنح السياسة المصرية مصداقية أكبر على الأرض.
وفي المحصلة، تعكس تصريحات وزير الري أن مصر لا تتحدث فقط عن التعاون مع دول حوض النيل، بل تسعى إلى تحويل هذا التعاون إلى أرقام ومشروعات وتمويل وتنفيذ. فمع تجاوز قيمة المشروعات المنفذة 120 مليون دولار، وإطلاق آلية جديدة بـ100 مليون دولار، يبدو أن القاهرة تمضي نحو توسيع أدواتها التنموية في أفريقيا، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الحضور المصري في واحدة من أكثر الدوائر أهمية بالنسبة للأمن القومي المصري.