وزير الري: سد النهضة غير شرعي ومصر ترفض أي ضرر مائي
موقف مصري متشدد: لا اعتراف بشرعية السد الإثيوبي
جددت مصر موقفها الرافض لسياسات الأمر الواقع في ملف سد النهضة، بعدما أكد وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم أن القاهرة تتعامل مع السد الإثيوبي باعتباره سدًا غير شرعي ومخالفًا للقانون الدولي. ويأتي هذا التصريح في سياق مصري ثابت يرفض أي خطوات أحادية من شأنها التأثير على حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، أو الإضرار باستقرار منظومة نهر النيل.
التصريحات الأخيرة لم تكن معزولة عن خطاب رسمي متكرر خلال الشهور الماضية، إذ ذكرت وزارة الموارد المائية والري في أكثر من بيان أن تشغيل السد الإثيوبي يجري بصورة أحادية، في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل وآليات تبادل البيانات، وهو ما تعتبره القاهرة مصدرًا دائمًا للمخاطر على إدارة الموارد المائية في دولتي المصب.
ما الذي قاله هاني سويلم؟
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية والري، شدد الدكتور هاني سويلم على أن مصر تتابع بصورة يومية تطورات إيراد نهر النيل والمؤشرات الهيدرولوجية والمناخية، مع تحديث مستمر للسيناريوهات التشغيلية الخاصة بالمنشآت المائية داخل البلاد، بما يسمح بالتعامل مع أي تغيرات مفاجئة في التصريفات القادمة من أعالي النيل. كما وصف تشغيل السد الإثيوبي بأنه يتم في إطار إدارة أحادية غير منضبطة، وهو توصيف تكرر كذلك في البيانات التي نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات.
والدكتور هاني عاطف نبهان سويلم هو وزير الموارد المائية والري في مصر وأستاذ متخصص في علوم الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية، كما شارك سابقًا في الفريق الفني الداعم لمفاوضات السد بين مصر والسودان وإثيوبيا، وفق السيرة الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي للوزارة.
لماذا تصف مصر السد بأنه غير شرعي؟
الأساس الذي تستند إليه القاهرة في هذا الوصف هو أن إنشاء السد وعمليات ملئه وتشغيله تمت، بحسب الموقف المصري الرسمي، من دون اتفاق ملزم يراعي حقوق الدول المتشاركة في النهر، ومن دون التوصل إلى قواعد واضحة وملزمة قانونيًا بشأن إدارة فترات الجفاف والجفاف الممتد وآليات التنسيق وتبادل المعلومات. وتقول مصر إن هذا النهج الأحادي يتعارض مع قواعد القانون الدولي المنظم للمجاري المائية الدولية، كما لا ينسجم مع الالتزامات التي تناولها إعلان المبادئ الموقع عام 2015.
وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر ظلت، على مدار سنوات التفاوض، تطرح صيغًا فنية وقانونية تستهدف التوفيق بين حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، وحق دولتي المصب في الحماية من الضرر الجسيم. لكن الموقف المصري يرى أن استمرار إثيوبيا في فرض إجراءات أحادية أفرغ المسار التفاوضي من مضمونه العملي.
تداعيات التشغيل الأحادي على الأمن المائي المصري
تربط القاهرة بين إدارة السد بصورة منفردة وبين زيادة درجة عدم اليقين في ما يتعلق بتدفقات المياه، خصوصًا خلال سنوات الشح المائي أو التغيرات المناخية الحادة. وقد أوضحت وزارة الري أن غياب آلية منتظمة لتبادل البيانات وقواعد تشغيل مستقرة يفرض على أجهزة الدولة حالة تأهب فني مستمرة، ويستدعي تحديثًا متواصلًا للتنبؤات والبدائل التشغيلية داخل شبكة الترع والقناطر ومحطات الرفع.
وتكتسب هذه الحساسية أهمية خاصة إذا ما وُضع في الاعتبار أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل لتلبية احتياجاتها المائية، بينما تقدر حصتها السنوية التاريخية بنحو 55.5 مليار متر مكعب وفق ما تذكره البيانات التعريفية الرسمية المنشورة عبر الهيئة العامة للاستعلامات. ومن هنا، فإن أي اضطراب كبير أو غير منسق في التصريفات ينعكس مباشرة على إدارة المياه والزراعة والشرب والاستخدامات الاقتصادية المختلفة داخل مصر.
رفض واضح لأي سدود جديدة قد تضر بدولتي المصب
الرسالة الأبرز في تصريحات وزير الري لا تتعلق فقط بسد النهضة بصورته الحالية، بل تمتد أيضًا إلى رفض مصر إنشاء أي سدود جديدة أو اتخاذ أي إجراءات أحادية أخرى من شأنها الإضرار بمصالح دولتي المصب. هذا الموقف يعكس تمسك القاهرة بمبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، ورفضها تكريس سابقة إقليمية تسمح بإقامة منشآت كبرى على نهر دولي من دون تشاور واتفاق شامل مع الدول المتأثرة.
وفي الوقت نفسه، تحرص مصر رسميًا على التأكيد أن اعتراضها لا يستهدف التنمية في دول حوض النيل، بل يركز على ضرورة أن تتم تلك التنمية في إطار التعاون والالتزام بالقانون الدولي، وهو ما يفسر استمرار القاهرة في دعم مشروعات مائية وتنموية بدول إفريقية عديدة عبر برامج التدريب، وحفر الآبار، وإنشاء محطات وخزانات، بحسب بيانات وزارة الري.
كيف تتحرك الدولة المصرية داخليًا؟
بالتوازي مع الموقف السياسي والقانوني، تعمل وزارة الموارد المائية والري على رفع جاهزية المنظومة المائية داخل البلاد عبر عدة مسارات، تشمل تطوير محطات الرفع، والتوسع في نظم المراقبة والتحكم، واستخدام التليمتري، وتعزيز خطط إدارة الأزمات، ومتابعة إيراد النهر في الزمن الحقيقي تقريبًا. كما تواصل الوزارة تنفيذ ما تسميه الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0، وهو مسار يركز على الحوكمة والرقمنة وتحسين كفاءة التشغيل.
- متابعة يومية لمعدلات الأمطار والإيراد المائي.
- تحديث السيناريوهات التشغيلية للمنشآت المائية بشكل مستمر.
- رفع كفاءة محطات الرفع والمرافق المرتبطة بها.
- التوسع في أدوات التحول الرقمي والتوأمة الرقمية والتليمتري.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن الدولة المصرية تتعامل مع الملف باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي المائي، وليس مجرد خلاف فني عابر، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالنمو السكاني والاحتياجات الزراعية والتأثيرات المناخية المتزايدة.
خلاصة الموقف المصري
في المحصلة، تعكس تصريحات وزير الري تمسكًا مصريًا صارمًا بثلاث رسائل رئيسية: أولًا، أن سد النهضة في صورته الحالية غير شرعي من منظور القاهرة؛ ثانيًا، أن الإدارة الأحادية للنيل الأزرق مرفوضة سياسيًا وقانونيًا؛ وثالثًا، أن مصر لن تقبل إنشاء سدود أو اتخاذ تدابير جديدة تمس حقوقها المائية أو تهدد مصالح دولتي المصب. وبينما تواصل القاهرة تحركاتها الدبلوماسية والفنية، يبقى الهدف المعلن هو الوصول إلى إطار قانوني عادل وملزم يحقق التوازن بين التنمية في دول المنبع وحماية الأمن المائي المصري.