Akhbar Cairo

وزير الري: مصر لا تعارض تنمية إثيوبيا وتطالب باتفاق ملزم

رسالة مصرية واضحة: التنمية حق.. والضرر مرفوض

جدد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، التأكيد على أن مصر لا تقف ضد حق الشعب الإثيوبي في التنمية أو الحصول على الكهرباء والخدمات الأساسية، مشددًا على أن المواطن الإثيوبي له الحق في الكهرباء والصحة والمياه، تمامًا كما يتمسك المواطن المصري بحقه في الحياة والتنمية والأمن المائي. لكن الوزير ربط هذا الموقف بمبدأ أساسي تعتبره القاهرة غير قابل للتنازل، وهو ألا تتحول مشروعات التنمية في دول المنابع إلى مصدر ضرر مباشر على شعوب دول المصب.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يتصدر فيه ملف سد النهضة الإثيوبي مجددًا واجهة النقاش العام داخل مصر، خاصة بعد حديث رسمي مصري متكرر عن رفض أي إجراءات أحادية تتعلق بملء وتشغيل السد، واعتبار الأمن المائي المصري قضية وجودية ترتبط بحياة أكثر من 110 ملايين مواطن داخل البلاد.

ما الذي قاله وزير الري؟

بحسب التصريحات المتداولة والمنشورة في وسائل إعلام مصرية خلال اليومين الماضيين، شدد هاني سويلم على أن القاهرة لا تعارض توليد الكهرباء في إثيوبيا من حيث المبدأ، بل سبق وقدمت، خلال جولات التفاوض المختلفة، بدائل وصيغًا فنية وقانونية كان من شأنها أن تتيح لإثيوبيا إنتاج الطاقة مع الحد من الأضرار المحتملة على مصر والسودان.

وفي هذا السياق، طرح الوزير سؤالًا جوهريًا حول جدوى السد بالنسبة للمواطن الإثيوبي نفسه: هل انعكست الكهرباء المتولدة من السد بالفعل على حياة المواطنين بالشكل المعلن؟ هذا الطرح جاء ضمن محاولة مصرية أوسع للتفريق بين حق الشعوب في التنمية وبين استخدام المشروعات الكبرى لفرض أمر واقع مائي وسياسي على نهر دولي مشترك.

سد النهضة في صلب الأزمة

الملف لا يتعلق في الرؤية المصرية برفض التنمية في إفريقيا، بل بطريقة إدارة مشروع سد النهضة على النيل الأزرق. ووفق الموقف الرسمي المصري، فإن الأزمة الأساسية تكمن في استمرار النهج الأحادي الإثيوبي في البناء والملء والتشغيل، من دون اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التشغيل في الظروف العادية وفترات الجفاف والجفاف الممتد، وبما يمنع الإضرار بدولتي المصب، مصر والسودان.

الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات أكد في بيانات سابقة أن مصر ترفض الإجراءات الأحادية الإثيوبية المتعلقة بالسد، وتعتبرها مخالفة لقواعد القانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة. كما شددت القاهرة على أن هدفها لم يكن يومًا حرمان الشعب الإثيوبي من التنمية، وإنما الوصول إلى صيغة تضمن المصالح المشتركة وتمنع الإضرار بالغير.

لماذا يمثل الملف حساسية خاصة للمصريين؟

تنبع حساسية القضية من اعتماد مصر شبه الكامل على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه العذبة. ووفق السيرة الرسمية المنشورة لوزير الري الدكتور هاني سويلم على موقع وزارة الموارد المائية والري، فإن الوزارة تشرف على إدارة وتوزيع المياه بما يخدم أكثر من 110 ملايين مواطن، عبر شبكة مائية ضخمة تمتد لنحو 55 ألف كيلومتر، مع ضغوط متزايدة ناجمة عن الزيادة السكانية وتغير المناخ وندرة الموارد المائية.

وفي هذا الإطار، تنظر الدولة المصرية إلى أي تغيرات غير منسقة في تدفقات النيل الأزرق باعتبارها مسألة تمس الزراعة ومياه الشرب والصناعة وإدارة السدود والمنشآت المائية، لا مجرد خلاف سياسي عابر. لذلك تصف القاهرة الأمن المائي بأنه جزء من الأمن القومي المصري.

تصعيد في اللهجة المصرية مؤخرًا

خلال الساعات الماضية، حملت تصريحات سويلم لهجة أكثر صراحة تجاه ما تعتبره مصر محاولات لفرض واقع جديد على النيل الشرقي. فقد أكدت تقارير صحفية مصرية حديثة أن الوزير شدد على أن مصر لن تسمح بأن يتحمل المواطن المصري تبعات قرارات أحادية تصدر خارج حدودها، كما اعتبر أن الحديث الإثيوبي عن التحكم في المياه يكشف تناقضًا مع الرواية التي قدمت السد لسنوات باعتباره مشروعًا لتوليد الكهرباء فقط.

وفي تصريحات أخرى منشورة حديثًا، أوضح الوزير أن اكتمال بناء السد أو مرور الوقت لا يعني قبول مصر بالوضع القائم، ولا يسقط من وجهة النظر المصرية الحقوق القانونية المرتبطة بنهر دولي مشترك. كما أكد أن كل الخيارات المشروعة التي يتيحها القانون الدولي تظل مطروحة لحماية الأمن المائي المصري.

من هو هاني سويلم؟

الدكتور هاني سويلم هو وزير الموارد المائية والري في مصر، وأستاذ متخصص في علوم الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية. ووفق السيرة الذاتية الرسمية المنشورة على موقع الوزارة، شغل مناصب أكاديمية وبحثية دولية بارزة، وشارك ضمن الفريق الفني الداعم لمفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا. كما يرتبط اسمه داخل الوزارة بإطلاق ما يعرف بمنظومة الري 2.0 التي تستهدف تحديث إدارة المياه والاعتماد على التكنولوجيا والتحول الرقمي.

وتشير البيانات الرسمية أيضًا إلى أن سويلم تولى أدوارًا إقليمية ودولية في مؤسسات المياه الإفريقية والعربية، ما يمنح تصريحاته وزنًا فنيًا وسياسيًا يتجاوز حدود السجال الإعلامي اليومي.

ماذا تريد مصر عمليًا؟

المطلب المصري المعلن لم يتغير: اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، يتضمن قواعد واضحة لإدارة فترات الجفاف، وآليات تنسيق وتبادل بيانات، وضمانات تحول دون الإضرار بحصص واستخدامات دولتي المصب. وترى القاهرة أن هذا المسار هو السبيل الوحيد لتحقيق معادلة متوازنة تسمح لإثيوبيا بالاستفادة من مشروعها الكهربائي، وفي الوقت نفسه تحمي الاستقرار المائي في المنطقة.

ومن منظور مصري، فإن المشكلة لم تعد فنية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمفهوم إدارة الأنهار المشتركة: هل تخضع للتعاون والتوافق، أم لسياسة فرض الأمر الواقع؟ هنا تحديدًا تأتي تصريحات سويلم عن حقوق المواطن الإثيوبي لتؤكد أن مصر تحاول تثبيت معادلة مزدوجة: الاعتراف بالتنمية المشروعة للآخرين، مع رفض أي تنمية تقوم على الإضرار بالمصريين أو السودانيين.

دلالة التصريحات داخل مصر

بالنسبة للمتابع المصري، تحمل تصريحات وزير الري أكثر من رسالة. الأولى للخارج، ومفادها أن القاهرة لا تعادي الشعب الإثيوبي ولا تطعن في حقه في التنمية. والثانية للداخل، وتؤكد أن الدولة تتابع الملف بشكل لصيق، وأنها تفرق بين خطاب سياسي يروّج لمشروعات كبرى، وبين الحسابات المائية الدقيقة التي تمس حياة المواطنين.

كما تعكس هذه التصريحات استمرار الرهان المصري على الجمع بين المسار الدبلوماسي والقانوني والفني، مع إبقاء ملف المياه في صدارة أولويات الدولة. وفي ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن القاهرة تريد تثبيت نقطة مركزية في النقاش العام: مصر ليست ضد كهرباء إثيوبيا، لكنها ضد أي إدارة أحادية للنيل تضع حقوق شعوب المصب تحت الضغط.

  • المحور الأول: مصر تعترف بحق الإثيوبيين في التنمية والكهرباء والخدمات الأساسية.
  • المحور الثاني: القاهرة ترفض أي ملء أو تشغيل أحادي لسد النهضة من دون اتفاق ملزم.
  • المحور الثالث: الأمن المائي المصري يُنظر إليه رسميًا باعتباره قضية وجودية وأمنًا قوميًا.
  • المحور الرابع: الدولة المصرية تؤكد استمرارها في حماية حقوقها وفق القواعد التي يكفلها القانون الدولي.

وفي المحصلة، فإن تصريحات الدكتور هاني سويلم لا تنفصل عن المعركة السياسية والقانونية المستمرة حول سد النهضة، لكنها تضيف إليها بعدًا إنسانيًا مهمًا: التنمية لا تكون حقيقية إذا جاءت على حساب حق شعوب أخرى في المياه والحياة والاستقرار.