Akhbar Cairo

وزير الصحة: تسعير الدواء في مصر ملف أمن قومي

تسعير الدواء.. أولوية تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن الصحي

عاد ملف تسعير الدواء في مصر إلى صدارة النقاش العام بعد تأكيد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن هذه القضية لا يمكن التعامل معها بوصفها مسألة تجارية فقط، بل باعتبارها جزءًا من الأمن القومي الصحي للدولة. ويعكس هذا التوصيف حساسية سوق الدواء بالنسبة للمواطن المصري، في ظل ارتباطه المباشر بحق العلاج واستمرار إتاحة المستحضرات الأساسية دون انقطاع.

تصريحات الوزير تأتي في سياق تحركات حكومية متواصلة لضمان توافر الأدوية واستقرار السوق، بالتنسيق مع الجهات المنظمة وعلى رأسها هيئة الدواء المصرية والهيئة المصرية للشراء الموحد، مع متابعة مستمرة للمخزون الاستراتيجي وسلاسل الإمداد، خاصة للأدوية الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة والطوارئ.

ماذا قالت الحكومة عن سوق الدواء؟

بحسب ما أعلنته وزارة الصحة والسكان في اجتماعات رسمية خلال عام 2026، شدد الدكتور خالد عبدالغفار على أن الدولة تتابع سوق الدواء بشكل يومي، وأن الهدف هو الحفاظ على توازن دقيق بين إتاحة الدواء للمريض بسعر مناسب، وضمان استمرار الشركات المنتجة وقدرتها على التصنيع والتوريد. كما أكدت الوزارة أن اللجنة العليا الدائمة المختصة بمتابعة سوق الدواء تواصل الانعقاد لمراجعة أوضاع السوق وتفادي أي نقص محتمل في المستحضرات الدوائية.

وفي اجتماع عقد يوم 15 أبريل 2026، ترأس الوزير اللجنة العليا لمتابعة توافر واستقرار سوق الدواء، وتم خلاله التأكيد على وجود كميات آمنة من مختلف المستحضرات بما يلبي احتياجات المواطنين، مع التشديد على أن حق المواطن في الحصول على دواء آمن وفعال وبسعر مناسب يظل في مقدمة أولويات الدولة.

مخزون استراتيجي ومتابعة لسلاسل الإمداد

الرسالة الحكومية لم تتوقف عند مسألة التسعير فقط، بل امتدت إلى ملف المخزون الاستراتيجي للأدوية. ففي اجتماعات موسعة عقدها وزير الصحة في مارس 2026 لمراجعة سلاسل الإمداد في القطاع الصحي، أعلنت الوزارة أن الاحتياطي الاستراتيجي من الأدوية والمستلزمات الطبية قوي ومستقر، مع استمرار التنسيق بين الجهات المعنية لضمان عدم تأثر السوق بأي تطورات خارجية أو ضغوط على الاستيراد.

كما أوضح الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، وفق بيانات رسمية، أن مؤشرات المخزون إيجابية، وأن نسبة معتبرة من المواد الفعالة والخامات تغطي عدة أشهر من الإنتاج خلال 2026، وهو ما يدعم استقرار الإمدادات ويحد من احتمالات حدوث فجوات في السوق.

التسعير بين حماية المواطن واستدامة الصناعة

أهمية عبارة "تسعير الدواء قضية أمن قومي" تنبع من أن التسعير في مصر لا يرتبط فقط بقدرة المواطن الشرائية، بل أيضًا بقدرة المصانع والشركات على الاستمرار وسط تقلبات تكلفة الإنتاج، خصوصًا مع تأثر بعض الخامات الدوائية ومدخلات التصنيع بالأسواق العالمية وسعر الصرف.

ووفق ما سبق أن شرحته هيئة الدواء المصرية، فإن آليات التسعير تستند إلى مراجعات فنية واقتصادية تراعي تكلفة الإنتاج والتغيرات الاقتصادية، بما يساعد على الوصول إلى سعر يضمن العدالة للمريض والاستدامة للمُصنّع في الوقت نفسه. وهذه المعادلة تفسر حرص الحكومة على وصف الملف بأنه استراتيجي، لأن أي اختلال كبير فيه قد ينعكس مباشرة على توافر الأدوية أو أسعارها.

لماذا يُعد الملف حساسًا في مصر؟

  • الدواء سلعة لا غنى عنها، وغيابه أو اضطراب أسعاره ينعكس فورًا على ملايين المرضى.
  • جزء من الصناعة يعتمد على خامات مستوردة، ما يجعل السوق حساسًا لأي تغيرات عالمية.
  • مصر تمتلك سوقًا دوائيًا ضخمًا يتطلب متابعة تنظيمية دقيقة للحفاظ على الاستقرار.
  • التوازن مطلوب بين دعم المريض وعدم الإضرار بقدرة الشركات على الإنتاج والاستثمار.

أرقام حديثة عن سوق الدواء المصري

البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الدواء المصرية خلال فعاليات Africa Health ExCon 2026 أظهرت أن سوق الدواء المصري واصل النمو خلال عام 2025، حيث بلغ نحو 4 مليارات عبوة بقيمة تقارب 422 مليار جنيه. كما أشارت تقارير رسمية أخرى إلى أن عدد العبوات ارتفع من 3.5 مليار عبوة في 2024 إلى 3.9 مليار عبوة في 2025، بما يعكس اتساع السوق المحلي وزيادة الطلب.

هذه الأرقام تفسر سبب اعتبار الحكومة أن استقرار سوق الدواء ليس ملفًا قطاعيًا محدودًا، بل قضية تمس الاقتصاد والصحة العامة معًا، خاصة في بلد بحجم مصر وتعدادها السكاني الكبير.

ماذا عن الصادرات الدوائية؟

الشق الثاني في رؤية الدولة يتعلق بتعزيز صادرات الدواء المصرية. وبينما ورد في المصدر الأصلي الحديث عن استهداف الوصول بالصادرات إلى 4 مليارات دولار، فإن أحدث الأرقام الرسمية المتاحة التي أمكن التحقق منها تشير إلى أهداف معلنة أكثر تحفظًا في الوقت الحالي. فقد ذكر رئيس هيئة الدواء المصرية أن المستهدف خلال 2026 يتراوح بين 1.6 و1.7 مليار دولار، مع خطة طموحة للوصول إلى 3 مليارات دولار بحلول 2030.

كما أوضحت الهيئة أن السوق المصرية تسعى لترسيخ موقعها كمركز إقليمي لصناعة وتصدير الدواء في إفريقيا والشرق الأوسط، عبر دعم الاستثمار، وتحديث القدرات التصنيعية، وتشجيع إنتاج المواد الخام، وتوسيع انتشار المنتج المصري في الأسواق الخارجية.

كيف تدعم الدولة هذا التوجه؟

  • توطين صناعة الدواء وتقليل الاعتماد على الواردات في عدد من المكونات الحيوية.
  • توسيع الحوافز التنظيمية والتصديرية للشركات العاملة في القطاع.
  • رفع كفاءة المصانع المحلية بما يتوافق مع معايير الجودة والاعتماد.
  • تعزيز الرقابة والتتبع لمواجهة الأدوية المغشوشة وغير المشروعة.

هيئة الدواء المصرية في قلب المشهد

يلعب الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، دورًا محوريًا في هذا الملف، سواء في ما يتعلق بمتابعة المخزون أو تطوير أدوات الرقابة أو دعم الصناعة المحلية. وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة أن مصر تعمل على تحسين تنافسية المنتج الدوائي المحلي، مع تسريع إتاحة المستحضرات المبتكرة وتطوير البيئة التنظيمية، بما يجعل السوق أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحقيق الاكتفاء النسبي.

وتبرز هنا أيضًا أهمية نظام تتبع الدواء، الذي تعتبره الدولة أداة أساسية لضبط السوق، وضمان جودة المستحضرات المتداولة، والحد من التداول غير المشروع، وهي عناصر ترتبط بشكل مباشر بفكرة الأمن الدوائي.

الخلاصة

التعامل الرسمي مع تسعير الدواء في مصر باعتباره قضية أمن قومي يعكس إدراكًا واضحًا لحجم الترابط بين صحة المواطن واستقرار السوق وقدرة الصناعة الوطنية على الصمود والنمو. الرسالة الأساسية من الحكومة هي أن الحفاظ على دواء متاح وآمن ومناسب السعر لم يعد مجرد هدف إداري، بل جزء من إدارة الدولة لملف حيوي يمس الحياة اليومية للمصريين.

ومع استمرار المتابعة الحكومية، ووجود مخزون استراتيجي آمن، وتوسيع خطط التوطين والتصدير، يبقى التحدي الرئيسي في المرحلة المقبلة هو تثبيت هذا التوازن الصعب: حماية المريض من أي أعباء غير مبررة، وفي الوقت نفسه حماية الصناعة الدوائية المصرية باعتبارها إحدى ركائز الأمن الصحي والاقتصادي في البلاد.