Akhbar Cairo

وزير الصحة: تهالك المنشآت ونمو السكان أبرز تحديات القطاع

تحديات متراكمة منذ 2014.. وملف صحي تحت ضغط مستمر

أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن المنظومة الصحية في مصر واجهت منذ عام 2014 مجموعة من التحديات الثقيلة التي تراكم أثرها على الخدمة الطبية، في مقدمتها انتشار فيروس سي، وتهالك عدد كبير من المنشآت الصحية، وضعف الموارد المتاحة مقارنة بحجم الطلب، إلى جانب الزيادة السكانية التي فرضت ضغطًا متواصلًا على المستشفيات ووحدات الرعاية الأساسية.

حديث الوزير يأتي في وقت تواصل فيه الدولة تنفيذ خطة واسعة لإعادة بناء القطاع الصحي، ليس فقط عبر إنشاء مستشفيات جديدة، لكن أيضًا من خلال تحديث البنية التحتية، وزيادة الطاقة الاستيعابية، والتوسع في التأمين الصحي الشامل، وربط ذلك باستراتيجية وطنية تمتد حتى عام 2030.

فيروس سي.. من أخطر الأعباء إلى قصة نجاح مصرية

من بين الملفات التي أشار إليها عبدالغفار، يظل فيروس سي أحد أبرز الأمثلة على حجم التحدي الذي واجهته مصر في السنوات الماضية. فبحسب منظمة الصحة العالمية، أصبحت مصر في عام 2023 أول دولة في العالم تحصل على المستوى الذهبي على مسار القضاء على التهاب الكبد الوبائي «سي»، بعد سنوات من الفحص والعلاج على نطاق واسع.

وتوضح بيانات المنظمة أن حملة «100 مليون صحة» أسهمت في فحص أكثر من 60 مليون شخص، بينما تلقى العلاج أكثر من 4 ملايين مريض، مع تراجع معدل الإصابات الجديدة من نحو 300 حالة لكل 100 ألف نسمة في 2014 إلى 9 حالات لكل 100 ألف في 2022. هذا التحول يعكس، وفق المؤشرات الدولية، كيف انتقلت مصر من إدارة أزمة صحية مزمنة إلى تحقيق تقدم لافت في واحد من أعقد الملفات الوبائية.

البنية التحتية.. فجوة قديمة ومحاولة لسدها بالأرقام

التحدي الثاني الذي يطرحه وزير الصحة يتعلق بحالة عدد من المستشفيات والمنشآت الطبية التي ظلت لسنوات بحاجة إلى إحلال وتجديد أو توسعات جذرية. وتشير أحدث البيانات الرسمية المنشورة في أغسطس 2026 إلى أن وزارة الصحة نفذت وتنفذ منذ 2014 وحتى 2026 نحو 1309 مشروعات في البنية التحتية الصحية، بإجمالي تكلفة تصل إلى 403.46 مليار جنيه.

وبحسب الأرقام نفسها، تم الانتهاء من 981 مشروعًا بتكلفة 132.42 مليار جنيه، فيما لا يزال 328 مشروعًا قيد التنفيذ بتكلفة 271.04 مليار جنيه. وتشمل المشروعات القومية الجارية إضافة 19047 سريرًا و1570 حضانة و1983 جهاز غسيل كلوي، وهي أرقام تعكس حجم الحاجة المتراكمة داخل المستشفيات الحكومية على مستوى الجمهورية.

كما استلمت الوزارة خلال العام المالي 2025-2026 عددًا من المشروعات في محافظات عدة، من بينها مستشفى حميات الإسكندرية، ومستشفى التل الكبير بالإسماعيلية، ومستشفى منفلوط المركزي بأسيوط، والمجمع الطبي بالأقصر، ومستشفى صدر العباسية بالقاهرة، ومستشفى بولاق الدكرور بالجيزة، ومستشفى بني مزار بالمنيا.

الزيادة السكانية.. ضغط مباشر على الأسرة والخدمة

يرى الوزير أن النمو السكاني لا يزال من أكبر العوامل الضاغطة على القطاع، لأن أي توسع في المنشآت أو الخدمات يواجهه ارتفاع مستمر في أعداد المترددين والمواليد والاحتياجات العلاجية. وفي تصريحات منشورة خلال يوليو 2026، أشار عبدالغفار إلى أن مصر ما زالت بحاجة إلى رفع عدد أسرة المستشفيات لمواكبة الكثافة السكانية، موضحًا أن المعدل الحالي يبلغ نحو 1.5 سرير، مقابل متوسط عالمي يقترب من 3 أسرة.

كما أوضح أن الوزارة تدير أكثر من 600 مستشفى ونحو 5400 وحدة رعاية أولية، وهو ما يكشف اتساع الشبكة الصحية الحكومية من جهة، وحجم التحدي التشغيلي والتمويلي من جهة أخرى، خصوصًا في المحافظات الأعلى كثافة والأكثر احتياجًا.

وفي الملف السكاني أيضًا، سبق أن أعلنت وزارة الصحة تراجع الزيادة الطبيعية خلال عام 2024 إلى 1.359 مليون نسمة مقارنة بـ 1.462 مليون في 2023، بانخفاض نسبته 7%، مع هبوط نسبة الزيادة الطبيعية إلى 1.3% بدلًا من 1.4%. ورغم هذا التراجع، فإن الضغط السكاني لا يزال حاضرًا بقوة في حسابات التخطيط الصحي، سواء في الأسرة أو الحضانات أو خدمات الأمومة والطفولة.

التمويل والعلاج على نفقة الدولة

من بين النقاط التي تعكس حجم العبء المالي على المنظومة، كشف وزير الصحة أن تكلفة العلاج على نفقة الدولة قفزت إلى 33 مليار جنيه، مقارنة بنحو 3 مليارات جنيه فقط في 2014. كما تصدر الوزارة يوميًا نحو 11.5 ألف قرار علاج، بما يصل إلى قرابة 4 ملايين قرار سنويًا.

هذه الزيادة الكبيرة لا تعني فقط اتساع مظلة الاستفادة، لكنها تعكس أيضًا ارتفاع تكلفة الرعاية الطبية نفسها، مع زيادة أسعار المستلزمات، والحاجة إلى تدخلات معقدة في الجراحات والأدوية والرعاية الحرجة. لذلك، فإن ملف التمويل أصبح جزءًا أساسيًا من أي حديث عن إصلاح القطاع الصحي في مصر.

التأمين الصحي الشامل كمسار إصلاحي طويل

يربط عبدالغفار بين تشخيص المشكلات القديمة وبين ما تسعى إليه الدولة عبر منظومة التأمين الصحي الشامل. ووفق تصريحاته في يوليو 2026، فإن المرحلة الثانية من المنظومة تُقدَّر تكلفتها بنحو 160 مليار جنيه، وتشمل محافظات كفر الشيخ ودمياط ومطروح والمنيا وشمال سيناء، مع دراسة ضم الإسكندرية.

ويكتسب هذا التوسع أهمية خاصة لأن التأمين الصحي الشامل لا يستهدف تمويل العلاج فقط، بل إعادة تنظيم الخدمة نفسها، وتحسين الحوكمة، وربط الجودة بالاعتماد والرقمنة واستدامة التمويل. كما أن الاستراتيجية الوطنية للصحة 2024-2030، التي سُلّمت نسختها الرسمية في 2024، تضع أهدافًا تتعلق بالعدالة الصحية، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز التحول الرقمي، وتحسين جودة الرعاية.

الجودة وسلامة المرضى.. مسار موازٍ للتوسع

الوزارة لا تركز على إنشاء المباني فقط، بل تتحرك أيضًا على صعيد جودة الخدمة. ففي يوليو 2026، أعلنت وزارة الصحة إنجاز الاستراتيجية الوطنية للجودة وسلامة المرضى 2026-2030، إلى جانب إعداد أول تقرير وطني للجودة وسلامة المرضى لعام 2025 باعتباره خط أساس لقياس التقدم في السنوات المقبلة.

هذا المسار مهم لأن توسيع عدد المستشفيات أو الأسرة لن يكون كافيًا وحده إذا لم يصاحبه تحسين في التشغيل، والتدريب، والإبلاغ عن الأخطاء الطبية والأحداث العارضة، وتوحيد المعايير داخل المنشآت الصحية. ولهذا، تتجه الدولة إلى ربط التوسع الخدمي بإصلاح إداري ومهني متدرج.

ما الذي تعنيه تصريحات الوزير للمواطن المصري؟

جوهر الرسالة التي يطرحها وزير الصحة هو أن أزمات القطاع الصحي في مصر لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة، وأن التعامل معها يتطلب وقتًا واستثمارات ضخمة وسياسات سكانية وصحية متوازية. فالحديث عن تهالك المنشآت أو نقص الموارد لا ينفصل عن الطلب المتزايد على الخدمة، ولا عن الحاجة إلى أطباء وتمريض وتجهيزات وتمويل مستدام.

وبالنسبة للمواطن، فإن أثر هذه التحركات يظهر في أكثر من مستوى: مستشفيات جديدة أو مطورة، توسع في خدمات العلاج، تحسين نسبي في إتاحة الأسرة والحضانات، وتقدم في بعض الملفات الكبرى مثل فيروس سي. لكن في المقابل، ما زالت تحديات الكثافة السكانية والتمويل وكفاءة التشغيل تمثل اختبارًا مستمرًا للمنظومة.

خلاصة المشهد

إعادة بناء النظام الصحي في مصر تبدو اليوم مشروعًا ممتدًا يتعامل مع ميراث ثقيل من نقص الإمكانات وتقادم المنشآت، بالتوازي مع ضغط سكاني لا يتوقف. وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى استثمارات ومشروعات ضخمة منذ 2014، فإن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تحويل التوسع الإنشائي إلى خدمة صحية أكثر كفاءة وعدالة وجودة للمصريين في كل المحافظات.