وزير الكهرباء: تكلفة الطاقة في مصر لا يتحملها المواطن وحده
من يتحمل فاتورة الكهرباء في مصر؟
عاد ملف أسعار الكهرباء في مصر إلى الواجهة بعد تصريحات الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، التي أوضح فيها أن التكلفة الحقيقية للكهرباء لا يتحملها المواطن وحده، بل تتوزع بين أكثر من طرف داخل الدولة، تشمل المستهلك نفسه، وقطاع الكهرباء، ووزارة البترول، ووزارة المالية. الرسالة الأساسية في حديث الوزير كانت واضحة: منظومة الكهرباء تعمل بتكلفة أعلى من أسعار البيع الحالية لشرائح واسعة، والفارق تتحمله جهات متعددة لضمان استمرار الخدمة واستقرار الشبكة.
وجاءت تصريحات عصمت خلال ظهوره التلفزيوني مساء السبت، حيث شدد على أن السؤال عن «من يدفع الثمن الحقيقي للكهرباء؟» لا يمكن اختزاله في إجابة واحدة، لأن منظومة الطاقة في مصر مترابطة ماليًا وفنيًا، بدءًا من الوقود اللازم للتشغيل، مرورًا بالإنتاج والنقل والتوزيع، وصولًا إلى سعر البيع النهائي للمشتركين. وتشير تقارير صحفية منشورة اليوم إلى أن الوزير قال إن قيمة دعم الكهرباء تتجاوز 108 مليارات جنيه، مع استمرار حصول معظم شرائح الاستهلاك المنزلي على دعم بنسب متفاوتة.
كيف تُحسب الفجوة بين التكلفة وسعر البيع؟
بحسب ما أوضحه الوزير في تصريحات سابقة وحديثة، فإن الدعم يُقاس عبر الفرق بين التكلفة الفعلية لإنتاج وتوصيل الكيلووات/ساعة للمستهلك وبين السعر الذي يسدده المشترك في الفاتورة أو عند شحن العداد مسبق الدفع. هذه المعادلة تتأثر بعوامل عدة، أبرزها أسعار الوقود، وكفاءة محطات التوليد، وتكلفة الصيانة والتشغيل، والاستثمارات المطلوبة للحفاظ على الشبكة القومية وتوسعتها.
وفي هذا السياق، أوضحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن استقرار التغذية الكهربائية واستدامة الخدمة يتطلبان توازنًا بين البعد الاجتماعي من ناحية، والالتزامات المالية لمنظومة الإنتاج والنقل والتوزيع من ناحية أخرى. كما أُعلن رسميًا عن تثبيت التعريفة المحاسبية للشريحة الأولى من القطاع المنزلي، مع تطبيق تعريفة جديدة لباقي الشرائح المنزلية بمتوسط تغير عام قدره 12%.
أين تذهب مساهمة كل طرف؟
عندما يقول الوزير إن «الجميع يدفع»، فالمقصود أن كل جهة تتحمل جزءًا مختلفًا من العبء:
- المواطن: يدفع جزءًا من التكلفة عبر الفاتورة أو شحن العداد وفق شريحة الاستهلاك.
- قطاع الكهرباء: يتحمل جانبًا من الفارق المالي الناتج عن بيع الكهرباء بأقل من كلفة إنتاجها لبعض الشرائح، إلى جانب أعباء الصيانة والتحديث والاستثمارات.
- وزارة البترول: تلعب دورًا محوريًا لأن الوقود المستخدم في محطات التوليد يمثل عنصرًا أساسيًا في حساب التكلفة.
- وزارة المالية: تتحمل جانبًا من الدعم العام الذي يخفف أثر التكلفة على المواطنين والاقتصاد.
وتعكس هذه الصيغة طبيعة إدارة قطاع الكهرباء في مصر، حيث لا تُترك التسعير بالكامل لمنطق التكلفة التجارية المباشرة، بل يدخل فيها اعتبارات الحماية الاجتماعية واستمرارية الخدمة والأمن الطاقي.
لماذا يبقى ملف الكهرباء حساسًا للمصريين؟
بالنسبة للأسر المصرية، تمثل فاتورة الكهرباء بندًا شهريًا ثابتًا يرتبط مباشرة بمستوى المعيشة، خصوصًا في الصيف مع ارتفاع الأحمال وزيادة استخدام التكييفات والأجهزة المنزلية. ومن هنا تحرص الحكومة على أن تكون أي مراجعة في التعريفة مرتبطة، وفق البيانات الرسمية، بدراسات وقياسات ومعادلات سعرية تراعي البعد الاجتماعي، وهو ما ظهر في قرار تثبيت الشريحة الأولى رغم تحريك شرائح أخرى.
كما أن الوزارة أكدت في أكثر من مناسبة أنها تعمل على خفض تكلفة الإنتاج ببدائل متعددة، منها تحسين كفاءة التشغيل، وتسريع إدخال الطاقة الجديدة والمتجددة، وتعظيم الاستفادة من الشبكة القومية. وتشير بيانات وزارة الكهرباء إلى أن الشبكة تعاملت خلال فترات الذروة الأخيرة مع أحمال تجاوزت 39600 ميجاوات، في وقت تواصل فيه الدولة الاستثمار في تأمين التغذية واستقرار التيار.
الدعم مستمر رغم تحريك بعض الشرائح
أحد أهم الجوانب التي تلفت الانتباه في النقاش الحالي هو أن تحريك التعريفة لا يعني بالضرورة انتهاء الدعم. فوفق تصريحات منشورة لوزير الكهرباء، ما زالت الدولة تتحمل أكثر من 100 مليار جنيه سنويًا دعمًا لقطاع الكهرباء خلال العام المالي 2026/2027. كما نشرت وسائل إعلام محلية أرقامًا أخرى تفيد بأن الجزء الأكبر من تكلفة الوقود والفارق بين سعر الإنتاج وسعر البيع ما زال واقعًا على الدولة والقطاع.
وفي تفسيره لشكوى بعض المواطنين من الزيادات المفاجئة عند شحن العدادات مسبقة الدفع، أوضح الوزير أن السبب في حالات كثيرة يعود إلى انتقال المشترك من شريحة استهلاك إلى أخرى، إلى جانب رسوم خدمات مرتبطة بنظام المحاسبة، وليس فقط إلى تغيير مباشر في سعر الكيلووات/ساعة.
ما الذي يعنيه ذلك للمستهلك؟
عمليًا، تعني هذه التصريحات أن المواطن لا يسدد التكلفة الكاملة للكهرباء في كثير من الشرائح، لكن قيمة ما يدفعه ترتفع أو تنخفض بحسب حجم الاستهلاك. لذلك يظل ترشيد الاستهلاك العامل الأسرع تأثيرًا على الفاتورة الشهرية، خاصة في المنازل التي تقترب من حدود الانتقال بين الشرائح. كما تعني أن أي نقاش حول أسعار الكهرباء لا يمكن فصله عن تكلفة الوقود، وحجم الدعم في الموازنة العامة، وخطط التوسع في الطاقة المتجددة.
محمود عصمت في قلب ملف الطاقة
يقود الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، هذا الملف في مرحلة شديدة الحساسية، تتزامن مع ضغوط اقتصادية وحاجة متزايدة إلى تأمين الإمدادات وتحسين كفاءة التشغيل. ووفق المصادر الرسمية، تواصل الوزارة العمل على دعم استقرار الشبكة، وزيادة مشاركة الطاقة النظيفة، وتعزيز قدرة مصر على التحول إلى مركز إقليمي للطاقة عبر الربط الكهربائي ومشروعات التوسع المستقبلية.
الخلاصة التي أراد الوزير تأكيدها هي أن ثمن الكهرباء في مصر لا يدفعه طرف واحد. المواطن يدفع جزءًا، لكن الدولة وقطاعي الكهرباء والبترول يتحملون أجزاء أخرى حتى تستمر الخدمة دون انقطاع، وبما يوازن بين التكلفة الاقتصادية والبعد الاجتماعي. وفي ظل استمرار الدعم، يبقى السؤال الأهم للمستهلك: كيف يضبط استهلاكه ليستفيد من الشرائح الأقل تكلفة، بينما تمضي الدولة في محاولة تضييق الفجوة بين سعر البيع وتكلفة الإنتاج الفعلية.