وزير الكهرباء يتابع تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة خلال زيارة لروساتوم
جولة مصرية داخل منشآت روساتوم لبحث مستقبل المفاعلات النووية الصغيرة
في خطوة تعكس اتساع اهتمام الدولة المصرية بملف الطاقة النووية السلمية، أجرى الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، زيارة ميدانية إلى أحد المصانع التابعة للمؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية «روساتوم»، والمتخصص في تصنيع وتجميع وحدات المفاعلات النووية الصغيرة. وتأتي الزيارة ضمن برنامج تحركات رسمية في روسيا شمل أيضًا اجتماعات مع قيادات المؤسسة الروسية لمتابعة التعاون القائم في قطاع الطاقة النووية، وعلى رأسه مشروع محطة الضبعة النووية.
التحرك المصري لا ينفصل عن رؤية أوسع لتنويع مزيج الطاقة، خصوصًا مع استمرار تنفيذ مشروع الضبعة باعتباره أحد أكبر المشروعات الاستراتيجية في قطاع الكهرباء. كما يعكس رغبة رسمية في الاطلاع المباشر على التقنيات الأحدث في مجال المفاعلات النووية الصغيرة، وهي تقنية تحظى باهتمام دولي متزايد بسبب مرونتها وإمكانية استخدامها في تلبية احتياجات كهربائية وصناعية متنوعة.
ما الذي جرى خلال الزيارة؟
بحسب ما أعلنته مصادر مصرية رسمية ووسائل إعلام محلية، فقد تفقد الوزير خطوط التصنيع والتجميع داخل المصنع الروسي، واطلع على آليات العمل الخاصة بوحدات المفاعلات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب مناقشة فرص التعاون الفني والاستفادة من الخبرات الروسية في هذا المجال. كما تزامنت الزيارة مع لقاء جمع محمود عصمت بقيادات «روساتوم» في مدينة نيجني نوفغورود الروسية يوم 25 أغسطس 2026، لمراجعة الموقف التنفيذي لمشروع محطة الضبعة النووية وبرامج العمل المرتبطة به.
وخلال الاجتماعات، شدد الوزير على أن مشروع الضبعة يمثل أحد أهم المشروعات القومية في مصر، وأن الوزارة تتابع التنفيذ بصورة مستمرة بالتنسيق مع الشريك الروسي والجهات الوطنية المعنية، مع التركيز على الالتزام بالجداول الزمنية ومعايير الجودة والسلامة النووية. كما تناولت المباحثات التعاون في مجالات أوسع من مجرد تنفيذ محطة قائمة، بما يشمل بناء القدرات البشرية ونقل المعرفة الفنية.
لماذا تهم المفاعلات النووية الصغيرة مصر؟
الاهتمام المصري بهذه التكنولوجيا لا يعني بالضرورة إعلان مشروع جديد بشكل فوري، لكنه يشير إلى توجه واضح لمتابعة ما يحدث عالميًا في هذا القطاع. فالمفاعلات النووية الصغيرة، أو ما يعرف اختصارًا بـ SMRs، تُطرح دوليًا باعتبارها حلًا أكثر مرونة من المحطات النووية التقليدية الكبيرة في بعض الاستخدامات، خاصة في المناطق ذات الأحمال المحدودة أو المشروعات الصناعية البعيدة أو التطبيقات التي تحتاج إلى مصادر طاقة مستقرة ومنخفضة الانبعاثات.
وفي هذا السياق، أكدت التصريحات الرسمية الأخيرة أن القاهرة تدرس إمكانات الاستفادة المستقبلية من هذه التكنولوجيا في إطار استراتيجية الدولة لتنويع مصادر الطاقة وتعظيم استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، مع مراعاة الجوانب الاقتصادية والفنية ومتطلبات الأمان.
الزيارة في ظل تطور التعاون المصري الروسي
الملف النووي المصري الروسي يشهد نشاطًا متواصلًا خلال الفترة الأخيرة. ففي 14 أبريل 2026، التقى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي المدير العام لمؤسسة «روساتوم» أليكسي ليخاتشوف لبحث مستجدات مشروع محطة الضبعة، بحضور الدكتور محمود عصمت والدكتور شريف حلمي رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء. وخلال ذلك اللقاء، أُشير إلى وجود تنسيق قائم بالفعل بشأن التعاون مع الجانب الروسي في مجال المفاعلات الصغيرة، إلى جانب متابعة تقدم أعمال الضبعة.
كما يأتي ذلك بعد سلسلة من التطورات التنفيذية في المشروع النووي المصري. ووفق المواد التعريفية الرسمية المصرية والتقارير الصادرة عن «روساتوم»، فإن محطة الضبعة تضم 4 وحدات نووية من طراز VVER-1200، وهو ما يجعلها المشروع النووي الأكبر قيد الإنشاء في القارة الأفريقية. وكانت المرحلة الرئيسية لإنشاء الوحدة الرابعة قد انطلقت في 23 يناير 2024 مع صب الخرسانة الأولى، بينما أشارت تقارير «روساتوم» عن عام 2024 إلى بدء أعمال صب خرسانة الجزيرة النووية للوحدة الرابعة خلال ذلك العام.
ماذا نعرف عن التكنولوجيا التي اطلع عليها الوزير؟
البيانات المنشورة في تقارير «روساتوم» تشير إلى أن المؤسسة الروسية تطور نماذج متعددة في مجال المحطات النووية الصغيرة. ومن بين أبرز هذه النماذج مفاعل RITM-200N، الذي ذكرت الشركة أن تصميمه الهندسي جرى تكييفه للاستخدام البري مع خصائص محسنة مقارنة بالنسخة البحرية. كما أوضحت تقارير الأداء للشركة أن مشروع أول محطة نووية صغيرة برية في جمهورية ساخا (ياقوتيا) الروسية يقوم على هذا الطراز، بقدرة إجمالية لا تقل عن 110 ميجاوات للوحدتين الأولى والثانية، مع توقيع عقود تطوير الوثائق التصميمية وأعمال التنفيذ خلال عام 2024.
هذه المعلومات تفسر سبب الاهتمام المصري بزيارة منشآت التصنيع نفسها، وليس الاكتفاء بالاجتماعات الرسمية. فالمعاينة الميدانية تمنح صانعي القرار صورة أوضح عن مستوى الجاهزية الصناعية، وسلاسل التوريد، وخصائص المعدات، وإمكانات نقل الخبرة أو بناء شراكات مستقبلية في مجالات متخصصة.
انعكاسات محتملة على قطاع الطاقة في مصر
بالنسبة للقارئ المصري، فإن الخبر الأهم ليس فقط الزيارة ذاتها، بل ما تعنيه على مستوى التخطيط طويل الأجل. فمصر تمضي بالفعل في مسار متنوع لتأمين احتياجاتها من الكهرباء، يشمل الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة والطاقة النووية. ومن ثم، فإن متابعة تكنولوجيا المفاعلات الصغيرة قد تفتح لاحقًا نقاشات حول استخدامات جديدة للطاقة النووية في دعم مناطق التنمية، أو إمداد المشروعات الصناعية الكبرى بطاقة مستقرة، أو دمج حلول نووية أكثر مرونة ضمن منظومة الطاقة المستقبلية.
لكن حتى الآن، تظل الأولوية التنفيذية الواضحة هي استكمال مشروع محطة الضبعة النووية وفق البرنامج الزمني ومعايير السلامة المحددة، مع توسيع قاعدة الخبرة المصرية في المجال النووي. ومن هنا تبدو زيارة محمود عصمت جزءًا من مسار مزدوج: متابعة المشروع القائم من جهة، واستكشاف التكنولوجيا التالية من جهة أخرى.
رسالة سياسية واقتصادية
تحمل هذه الزيارة أيضًا دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز الجانب الفني. فالتعاون بين القاهرة وموسكو في قطاع الطاقة النووية بات أحد أبرز ملامح الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتحرص الحكومة المصرية على تقديمه باعتباره نموذجًا للتعاون طويل الأجل القائم على نقل الخبرات وبناء الكفاءات. كما أن الانفتاح على تقنيات المفاعلات الصغيرة يعكس حرصًا على عدم الاكتفاء بالحلول التقليدية، ومتابعة التحولات الجارية في الصناعة النووية عالميًا.
- أولًا: الزيارة جاءت في إطار متابعة رسمية مباشرة لأحدث تكنولوجيات المفاعلات النووية الصغيرة.
- ثانيًا: التحرك تزامن مع اجتماعات رفيعة المستوى مع «روساتوم» لمراجعة تقدم مشروع الضبعة.
- ثالثًا: القاهرة تركز على نقل المعرفة وبناء الكوادر إلى جانب تنفيذ المشروعات.
- رابعًا: المفاعلات الصغيرة ما زالت في إطار الدراسة والاطلاع، دون إعلان مصري عن مشروع تنفيذي جديد في هذا المسار حتى الآن.
في المحصلة، تؤكد زيارة وزير الكهرباء إلى مصنع «روساتوم» المتخصص في المفاعلات النووية الصغيرة أن ملف الطاقة النووية في مصر لم يعد مقتصرًا على إنشاء محطة الضبعة فحسب، بل يتسع أيضًا لمتابعة الأجيال الجديدة من التكنولوجيا النووية. وبين التنفيذ الجاري للمشروع القومي في الضبعة، والاستكشاف الحذر لخيارات المستقبل، تبدو القاهرة ماضية في بناء حضور أكثر تنوعًا وعمقًا داخل خريطة الطاقة الإقليمية.