وسطاء الإقليم يحاولون إنقاذ التفاهم الأمريكي الإيراني
تصعيد جديد يضغط على المسار الدبلوماسي
تتحرك عواصم إقليمية عدة، في مقدمتها مسقط، لمحاولة احتواء التدهور الأخير بين إيران والولايات المتحدة بعد أيام من الضربات المتبادلة والتصريحات الحادة التي وضعت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو 2026 تحت ضغط غير مسبوق. ويأتي هذا التحرك في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المنطقة العربية، خصوصًا دول الخليج، لأن أي انزلاق واسع نحو المواجهة ينعكس مباشرة على أمن الملاحة والطاقة وأسواق الشحن عبر مضيق هرمز.
وبحسب ما أكدته تقارير دولية وبيانات رسمية متقاطعة، فإن الحرب الحالية تعود جذورها إلى 28 فبراير 2026، بينما مثّلت مذكرة يونيو محاولة لوقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي أوسع حول القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي، الملاحة البحرية، والأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب ترتيبات تهدئة أوسع في الإقليم.
ماذا جرى منذ توقيع مذكرة يونيو؟
المذكرة التي جرى التوصل إليها بوساطة إقليمية حملت اسم “مذكرة إسلام آباد” في عدد من البيانات الرسمية، وشاركت في رعايتها باكستان مع دعم معلن من قطر. ونشرت مصادر رسمية وإخبارية نصوصًا أو تفاصيل عن بنودها، التي تضمنت إطارًا مؤقتًا لوقف الضربات وبدء محادثات فنية وسياسية خلال فترة زمنية محددة. كما رحبت الأمم المتحدة بالاتفاق بوصفه خطوة مهمة نحو إنهاء النزاع وبدء العمل الفني على الملفات المعقدة.
لكن هذا المسار لم يصمد طويلًا. فخلال الأسبوع الجاري، عادت الضربات المتبادلة بأعنف صورة منذ توقيع التفاهم، بالتوازي مع اتهامات أمريكية لإيران بتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما جعل ملف أمن الممر البحري يتقدم مجددًا على بقية بنود التفاهم. وفي المقابل، تحدثت طهران عن خروقات أمريكية للالتزامات التي كانت يفترض أن تدعم الهدنة وتمنح فرصة للتفاوض.
هرمز في قلب الأزمة
التركيز الأمريكي في الساعات الأخيرة انصب على مطلب واضح: أن تقدم طهران ضمانات علنية بعدم استهداف السفن وبتأكيد بقاء مضيق هرمز مفتوحًا. أهمية هذا المطلب لا تنبع فقط من البعد العسكري، بل من الوزن الاقتصادي للمضيق الذي يمر عبره جزء حيوي من تجارة النفط والغاز العالمية. ولهذا تراقب العواصم العربية المطلة على الخليج تطورات الأزمة بدقة، لأن أي اضطراب ممتد قد يرفع كلفة التأمين والشحن ويضغط على الأسواق الإقليمية والدولية.
عمان تتحرك من جديد
في خضم هذا التصعيد، عاد الدور العماني إلى الواجهة. فقد توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان يوم السبت 11 يوليو 2026 لإجراء محادثات تتصل بالأزمة، مع تركيز خاص على أمن الملاحة في هرمز. ويعكس هذا التحرك استمرار الرهان على مسقط باعتبارها قناة تواصل موثوقة بين الخصوم، وهي سمعة بنتها السلطنة عبر سنوات من الوساطات الهادئة في ملفات إقليمية ودولية معقدة.
الدور العماني ليس طارئًا؛ فبيانات سابقة صادرة عن الخارجية العمانية أظهرت استمرار التواصل مع طهران بشأن خفض التصعيد والأمن الإقليمي. ومن منظور عربي، تبدو هذه الوساطة ذات قيمة خاصة، لأنها تحاول منع انتقال الاشتباك الأمريكي الإيراني إلى موجة اضطراب أوسع تطال الجوار الخليجي مباشرة.
قطر وباكستان على خط الإنقاذ
إلى جانب عمان، برزت قطر وباكستان كطرفين فاعلين في دعم المسار التفاوضي. الخارجية القطرية كانت قد أعلنت في يونيو دعمها للشراكة مع باكستان والجهود التي انتهت إلى توقيع مذكرة التفاهم، كما أكدت الدوحة لاحقًا استمرار متابعتها للمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. وفي مطلع يوليو، استقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مبعوثين أمريكيين، وشدد على مواصلة جهود الوساطة للوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.
أما إسلام آباد، فتم تقديمها رسميًا بوصفها وسيطًا رئيسيًا في المفاوضات، سواء في البيانات الباكستانية أو في تغطيات دولية متطابقة. وخلال الأيام الأخيرة، جدد رئيس الوزراء شهباز شريف استعداد بلاده لمواصلة ما وصفه بدور الوسيط الصادق من أجل سلام دائم في المنطقة، بعد اتصالات منفصلة مع القيادة الإيرانية والقطرية.
لماذا يهم هذا التحرك القارئ المصري؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، لا تبدو الأزمة بعيدة جغرافيًا أو سياسيًا. فاستقرار الخليج يرتبط بأسعار الطاقة، وحركة التجارة، وثقة الأسواق، كما أن أي تصعيد واسع في الإقليم يضيف ضغوطًا جديدة على المنطقة العربية بأكملها، من المشرق إلى البحر الأحمر. لذلك فإن نجاح الوساطة العربية والإقليمية في تثبيت التهدئة لا يمثل مجرد إنجاز دبلوماسي، بل عامل استقرار له آثار اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود طرفي الأزمة.
ما الذي يهدد فرص العودة إلى التفاوض؟
رغم استمرار قنوات الوساطة، فإن العقبات لا تزال كبيرة. أولها انعدام الثقة بين الطرفين بعد تبادل الاتهامات بخرق الالتزامات. وثانيها أن القضايا المطروحة لم تعد تقتصر على الملف النووي، بل تشمل أيضًا قواعد الاشتباك في البحر، والضربات العسكرية، وترتيبات ما بعد الهدنة. وثالثها أن الخطاب السياسي في كل من واشنطن وطهران بات أكثر حدة، بما يضيق هامش التنازل السريع.
كما أن عودة العنف بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة يونيو تثير سؤالًا جوهريًا حول طبيعة التفاهم نفسه: هل كان اتفاقًا انتقاليًا هشًا لشراء الوقت، أم أساسًا قابلًا للبناء عليه؟ هذا السؤال مهم لأن أي جولة تفاوض جديدة ستحتاج غالبًا إلى آليات تنفيذ ورقابة أوضح من تلك التي صاحبت التفاهم السابق.
سيناريوهات الأيام المقبلة
- الاحتواء السريع: ويقوم على نجاح الوساطة العمانية، بدعم قطري وباكستاني، في إعادة الطرفين إلى وقف هش لإطلاق النار واستئناف الاجتماعات الفنية.
- التصعيد المحدود: حيث تستمر الضربات والردود في نطاق محسوب، مع بقاء القنوات الخلفية مفتوحة لتجنب حرب شاملة.
- انهيار المسار بالكامل: وهو السيناريو الأخطر، لأن سقوط التفاهم نهائيًا قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر كلفة على الصعيدين الأمني والاقتصادي.
خلاصة المشهد
المؤكد حتى الآن أن الخيار الدبلوماسي لم يمت، لكنه يمر بواحدة من أصعب لحظاته منذ توقيع تفاهم يونيو. فالضربات الأخيرة والتراشق السياسي أضعفا الثقة، لكن تحرك عمان، ومساندة قطر وباكستان، يشيران إلى أن الإقليم لا يزال يحاول منع انفلات الأزمة. وبين لغة القوة وحسابات التهدئة، ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت المنطقة مقبلة على استئناف تفاوض مضطرب، أم على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة.