Akhbar Cairo

ياسر العطا: لا مستقبل للدعم السريع وتحذير من إثيوبيا

ياسر العطا يحدد ملامح المرحلة الجديدة في السودان

تتجه الأنظار في الملف السوداني إلى الفريق أول ركن ياسر العطا، بعد تعيينه رئيسا لهيئة أركان الجيش السوداني في 2 أبريل 2026 بقرار من رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وبعد أيام من إجراءات التسليم والتسلم التي جرت في الخرطوم يوم 6 أبريل 2026، بدأ العطا في إرسال رسائل واضحة بشأن مسار الحرب مع قوات الدعم السريع، وشكل التهديدات الإقليمية المحيطة بالسودان.

أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند بعدها العسكري فقط، بل تمتد إلى ما يمكن أن تعنيه سياسيا للسودان، في وقت لا تزال فيه البلاد تخوض حربا مستمرة منذ 15 أبريل 2023، مع كلفة بشرية وإنسانية هي الأضخم في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

تعيين جديد ورسالة حاسمة تجاه الدعم السريع

التثبيت الرسمي لياسر العطا في منصب رئيس هيئة الأركان جاء ضمن إعادة ترتيب في قيادة الجيش السوداني خلال أبريل 2026. وخلال مراسم التسليم والتسلم في الخرطوم، أشاد البرهان بما وصفه بالكفاءة الميدانية للعطا ودوره خلال الحرب، بينما أكد العطا من جانبه المضي في ما يسميه الجيش معركة استعادة السيطرة وبناء جيش وطني موحد.

وفي تصريحات لاحقة نُشرت في أغسطس 2026، قال العطا إن الجيش يستعد لتنفيذ عمليات عسكرية متزامنة على محاور عدة، مضيفا أن الهدف هو إنهاء التمرد واستعادة كامل الأراضي السودانية. هذا الخطاب يعكس توجها واضحا داخل المؤسسة العسكرية نحو الحسم الميداني، لا سيما مع استمرار القتال في ولايات كردفان ومحيط النيل الأزرق ومناطق أخرى.

ومن هنا، تبدو عبارته بأن «لا مستقبل للدعم السريع في السودان» منسجمة مع الخط السياسي والعسكري الذي تتبناه القيادة العسكرية حاليا، والقائم على نزع أي شرعية مستقبلية عن هذه القوة داخل المشهد السوداني.

خريطة المعارك: من كردفان إلى النيل الأزرق

ميدانيا، يتحدث الجيش السوداني منذ أسابيع عن توسيع نطاق عملياته، خصوصا بعد إعلانه في 30 يوليو 2026 السيطرة على مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة في ولاية شمال كردفان. كما أشارت تقارير ميدانية سودانية إلى الدفع بتعزيزات إلى محور بكّوري في ولاية النيل الأزرق، بالتزامن مع زيارة ميدانية أجراها البرهان إلى الدمازين مطلع سبتمبر 2026.

وتحمل الدمازين أهمية خاصة في الحسابات العسكرية، لأنها عاصمة إقليم النيل الأزرق وتمثل نقطة حساسة في الجنوب الشرقي للسودان. لذلك فإن أي حديث عن مخاوف تتعلق بهذه المنطقة يتجاوز مجرد التصعيد الإعلامي، ويرتبط بحسابات أمنية تشمل الحدود، وخطوط الإمداد، والتموضع العسكري في الشرق والجنوب الشرقي.

بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه التحركات لا تخص السودان وحده؛ فاستقرار الخرطوم يبقى مسألة تمس أمن الإقليم كله، بما في ذلك أمن الحدود وحركة النزوح والتوازنات في حوض النيل والبحر الأحمر.

الفشقة والدمازين في قلب التحذير من إثيوبيا

الشق الأكثر حساسية في حديث العطا يتمثل في اتهامه لإثيوبيا بالتخطيط لاستهداف مناطق مثل الفشقة والدمازين. ورغم أن هذا الطرح يعبر عن موقف سوداني رسمي أو شبه رسمي من داخل المؤسسة العسكرية، فإن التحقق من أي خطط ميدانية إثيوبية معلنة بهذا المعنى يظل محدودا في المصادر المفتوحة حتى الآن، لذلك يبقى الأدق التعامل معه باعتباره اتهاما سياسيا وعسكريا صادرا عن مسؤول سوداني رفيع وليس حقيقة مثبتة مستقلة.

لكن التوتر بين السودان وإثيوبيا حول الفشقة ليس جديدا. فالمنطقة الحدودية الواقعة في ولاية القضارف تعد من أكثر الملفات تعقيدا بين البلدين منذ سنوات، وسبق لياسر العطا نفسه أن شدد في تصريحات سابقة على تمسك الخرطوم بها باعتبارها أرضا سودانية. كما شهدت الحدود الشرقية أزمات متكررة منذ 2020، على خلفية انتشار الجيش السوداني في تلك المنطقة وتبادل الاتهامات بين الجانبين.

أما الربط بين الفشقة والدمازين في خطاب واحد، فيشير إلى أن القيادة العسكرية السودانية تنظر إلى الضغوط الحدودية والإقليمية كجزء من مشهد أوسع، يتقاطع فيه النزاع الداخلي مع التنافس الإقليمي على النفوذ والممرات والمناطق الحيوية.

حرب مستمرة وكلفة إنسانية ثقيلة

الحرب الدائرة في السودان دخلت عامها الرابع، فيما تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية وأزمة نزوح في العالم حاليا. ووفقا لتقديرات أممية منشورة في أبريل 2026، فإن نحو 34 مليون شخص داخل السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يقترب إجمالي النازحين واللاجئين من 13 إلى 14 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

وتوضح بيانات الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة أن ملايين السودانيين نزحوا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مع عودة محدودة لبعض السكان إلى مناطق مثل الخرطوم والجزيرة في فترات متقطعة، لكن من دون أن يعني ذلك انتهاء المخاطر الأمنية أو الإنسانية. كما تستضيف مصر أعدادا كبيرة من السودانيين الفارين من الحرب، وهو ما يمنح المتابع المصري سببا إضافيا لمراقبة تطورات المشهد السوداني عن قرب.

  • 15 أبريل 2023: اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
  • 2 أبريل 2026: تعيين ياسر العطا رئيسا لهيئة الأركان.
  • 6 أبريل 2026: مراسم التسليم والتسلم في الخرطوم.
  • 30 يوليو 2026: إعلان الجيش السيطرة على مدن في شمال كردفان.
  • 3 سبتمبر 2026 تقريبا: زيارة البرهان إلى الدمازين وسط حديث عن عمليات واسعة.

ماذا تعني تصريحات العطا سياسيا؟

سياسيا، تكشف تصريحات رئيس الأركان السوداني عن ثلاث رسائل أساسية. الأولى أن الجيش يريد تثبيت صورة مفادها أن الحرب تتجه إلى مرحلة هجومية لا دفاعية. الثانية أن المؤسسة العسكرية لا ترى مكانا لتسوية تُبقي قوات الدعم السريع فاعلا مستقلا في المستقبل. والثالثة أن الخرطوم تسعى إلى ربط الصراع الداخلي بسياق إقليمي أوسع، خصوصا مع استمرار الحساسيات مع إثيوبيا في ملفات الحدود والمياه والأمن.

هذه الرسائل مهمة أيضا في مخاطبة الرأي العام السوداني وحلفاء الجيش الإقليميين، وفي الوقت نفسه توجيه إنذار إلى القوى الدولية التي تدفع نحو ترتيبات تفاوضية لا تتوافق بالكامل مع رؤية القيادة العسكرية الحالية.

المشهد المقبل: بين الحسم العسكري وتعقيدات الجوار

حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قرب نهاية الحرب، رغم نبرة الثقة التي تعكسها تصريحات ياسر العطا. فالمعارك لا تزال مفتوحة على أكثر من جبهة، والوضع الإنساني يزداد صعوبة، كما أن أي تصعيد على الجبهة الشرقية مع إثيوبيا من شأنه أن يضيف عبئا جديدا على الدولة السودانية.

ومع ذلك، فإن صعود العطا إلى رئاسة الأركان يمنحه دورا أكثر مركزية في إدارة الحرب وصياغة رسائل الجيش داخليا وخارجيا. ومن هذا المنظور، فإن حديثه عن غياب المستقبل لقوات الدعم السريع، وتحذيره من الأطماع الإثيوبية في الفشقة والدمازين، لا يمكن قراءته كتصريحات عابرة، بل كجزء من تصور عسكري وسياسي للمرحلة المقبلة في السودان.

بالنسبة لمتابعي الشأن الدولي في مصر، تظل هذه التطورات من أهم ملفات قسم العالم حاليا، لأنها ترتبط مباشرة بمستقبل دولة مجاورة محورية، وبأمن البحر الأحمر، وبملفات النزوح والاستقرار الإقليمي، وبالمعادلات الحساسة في القرن الأفريقي وحوض النيل.