يوسف بطرس غالي يعيد فتح ملف الضرائب وعلاقته بمبارك
عودة تصريح قديم المعنى.. وجديد الدلالة
أعاد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، إلى الواجهة نقاشًا مصريًا قديمًا لا يخص الضرائب وحدها، بل يطال طبيعة صناعة القرار الاقتصادي في الدولة، بعدما تحدث في يوليو 2026 عن كواليس إقرار خفض الضرائب، قائلًا إن الرئيس الأسبق حسني مبارك حمّله مسؤولية نجاح التجربة، في إشارة تكشف حجم الرهان السياسي الذي أحاط بالملف وقتها.
التصريحات جاءت ضمن حوار إعلامي أُعلن عنه في منتصف يوليو 2026، وتناول فيه غالي أبرز محطات مسيرته، من عودته إلى مصر بعد سنوات الغياب، إلى تقييمه للإصلاح الاقتصادي وملفات شائكة تعود إلى ما قبل 2011. وبحسب ما نُشر عن الحلقة، فإن الرجل استعاد كواليس إدارته للسياسات المالية في عهد مبارك، وفي مقدمتها قانون الضرائب الذي ارتبط باسمه على نطاق واسع.
ما الذي نعرفه يقينًا عن ملف خفض الضرائب؟
المعلومة الأساسية المؤكدة تاريخيًا أن يوسف بطرس غالي تولى وزارة المالية من 1 يوليو 2004 حتى 31 يناير 2011، في فترة حكومة الدكتور أحمد نظيف. وخلال تلك السنوات، ارتبط اسمه بحزمة إصلاحات مالية وتجارية واسعة، كان من أبرزها تعديل منظومة الضرائب وإعادة هيكلة السياسة الضريبية في مصر.
وفي قلب هذه الحزمة جاء قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، وهو القانون الذي مثّل نقطة تحول في النقاش العام حول فكرة أن خفض السعر الضريبي قد يساهم، في ظروف معينة، في توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال بدلاً من الاكتفاء برفع العبء على الممولين. لذلك، فإن استدعاء غالي لهذه المحطة اليوم ليس مجرد استرجاع شخصي، بل محاولة لإعادة الدفاع عن فلسفة اقتصادية كاملة.
من 42% إلى 20%.. لماذا كان القرار لافتًا؟
قبل إصلاحات 2005، كانت الشرائح العليا للضريبة في مصر أعلى بكثير، ثم جاء القانون الجديد ليخفض السعر الأعلى على الدخل إلى 20%، وهو رقم ظل حاضرًا في الذاكرة الاقتصادية باعتباره عنوانًا لمرحلة تبنت فيها الحكومة خطابًا أكثر ميلاً إلى تشجيع الاستثمار وتبسيط الإجراءات.
أهمية هذا القرار لم تكن في الرقم وحده، بل في الرسالة السياسية والاقتصادية المصاحبة له: الدولة أرادت أن تقول إن تبسيط النظام الضريبي قد يكون أكثر فاعلية من التعقيد، وأن الحصيلة لا تُقاس فقط بنسبة الضريبة، بل أيضًا بقدرة الإدارة على التحصيل، ومدى ثقة الممولين، وحجم الاقتصاد الرسمي مقارنة بالاقتصاد غير الرسمي.
هل تضاعفت الحصيلة فعلًا؟
غالي قال إن إصلاح منظومة الضرائب أدى إلى مضاعفة الحصيلة ثلاث مرات. هذا الرقم يتكرر في سرديته عن تلك المرحلة، وهو يتسق مع ما روّجه لسنوات باعتباره نجاحًا لنهج الإصلاح الضريبي القائم على التخفيض والتبسيط وتوسيع الامتثال. لكن المهم هنا، من زاوية تحليلية، ليس فقط الرقم في ذاته، بل ما إذا كانت الزيادة تعود إلى خفض السعر الضريبي وحده.
القراءة الأكثر توازنًا تقول إن أي قفزة في الحصيلة خلال تلك السنوات لا يمكن فصلها عن مجموعة عوامل متداخلة، منها:
- إعادة صياغة القانون الضريبي وتقليل معدلاته.
- تبسيط الإجراءات ومحاولة تقليص الاحتكاك البيروقراطي.
- تحسن النشاط الاقتصادي في سنوات ما قبل الأزمة المالية العالمية.
- توسيع قاعدة الممولين ورفع معدلات الامتثال النسبي.
- تحديث الإدارة الضريبية بصورة تدريجية.
بمعنى آخر، إذا صحت زيادة الحصيلة في المجمل، فإنها كانت على الأرجح نتيجة حزمة متكاملة أكثر من كونها ثمرة قرار منفرد. وهذه نقطة مهمة لأن الجدل المصري حول الضرائب غالبًا ما يختزل المسألة في رفع السعر أو خفضه، بينما التجارب المقارنة تقول إن كفاءة الإدارة لا تقل أهمية عن معدل الضريبة نفسه.
لماذا ظل هذا الملف حاضرًا في الذاكرة الاقتصادية؟
السبب الأول أن إصلاح الضرائب في عهد نظيف كان جزءًا من مشروع أوسع لتقديم مصر باعتبارها اقتصادًا يتحرك نحو الانفتاح التنظيمي والتجاري. ويكفي أن البنك الدولي أعلن في تقرير Doing Business 2008 الصادر في 26 سبتمبر 2007 أن مصر كانت أكبر دولة إصلاحًا على مستوى العالم في ذلك التقييم السنوي، بعد تنفيذ إصلاحات مست جوانب متعددة من مناخ الأعمال.
السبب الثاني أن نجاح أي سياسة ضريبية في مصر يبقى ملفًا شديد الحساسية سياسيًا. المواطن لا ينظر إلى الضرائب كأرقام جامدة، بل كاختبار للعدالة والكفاءة والثقة في الدولة. لذلك، حين يقول وزير مالية أسبق إن الرئيس أبلغه عمليًا بأن فشل الخطة ستكون له كلفة سياسية وشخصية، فهذه ليست مجرد عبارة درامية؛ إنها تلخص كيف تُدار السياسات الكبرى حين تصبح مرتبطة مباشرة بصورة النظام وشرعيته الاقتصادية.
بين السياسة والاقتصاد.. ماذا تقول عبارة مبارك؟
العبارة المنسوبة إلى مبارك، كما رواها غالي، تحمل معنى يتجاوز الطابع الشخصي. فهي تشير إلى أن القرار الاقتصادي في الأنظمة المركزية لا يكون فنيًا خالصًا، بل محكومًا بتوازنات السلطة والخوف من الفشل العام. في هذا السياق، يصبح الوزير ليس فقط مسؤولًا عن صياغة السياسة، بل عن الدفاع عنها أمام رئيس يربط مصيره السياسي بقدرتها على تحقيق نتائج سريعة وملموسة.
ومن هنا، تكتسب شهادة غالي قيمة تحليلية: فهي تفتح الباب لسؤال أوسع عن الفارق بين الإصلاح الاقتصادي كقناعة والإصلاح الاقتصادي كرهان سياسي. الأول يبحث عن الاستدامة، أما الثاني فيحتاج إلى مؤشرات نجاح سريعة تبرر المجازفة.
ماذا يعني هذا النقاش لمصر اليوم؟
في يوليو 2026، لا تُقرأ تصريحات يوسف بطرس غالي بوصفها مراجعة تاريخية فقط، بل باعتبارها تدخلًا غير مباشر في نقاش راهن حول السياسة الضريبية، ودور القطاع الخاص، وحدود تدخل الدولة في الاقتصاد. فقد عاد الرجل إلى الظهور الإعلامي متحدثًا أيضًا عن تخارج الدولة من بعض الأنشطة، وعن أهمية ترك الإنتاج للقطاع الخاص مع احتفاظ الدولة بدورها في القطاعات الاستراتيجية.
لهذا، فإن إعادة فتح ملف خفض الضرائب تلامس سؤالًا لا يزال قائمًا: كيف توازن مصر بين الحاجة إلى الإيرادات العامة وبين الحفاظ على مناخ استثماري جاذب؟ هذا السؤال لا تملك له إجابة واحدة، لكن خبرة 2005 تظل حاضرة باعتبارها واحدة من أبرز التجارب التي راهنت على أن تحسين الامتثال قد يكون أكثر نفعًا من فرض أعباء أعلى.
الدرس الأهم: الثقة قبل الجباية
ربما كان الدرس الأكثر بقاءً من هذه التجربة أن الحصيلة الضريبية لا تزيد بالقوة وحدها. ما يرفع الإيرادات على المدى المتوسط هو وجود قانون واضح، وإدارة فعالة، وممول يشعر بأن النظام قابل للفهم والتطبيق، وأن الدولة لا تعاقبه على دخوله الاقتصاد الرسمي.
وهنا تحديدًا يمكن قراءة دفاع يوسف بطرس غالي عن تجربته: ليس فقط باعتبارها دفاعًا عن قرار خفض الضرائب إلى 20%، بل عن فكرة أوسع تقول إن الدولة حين تبسط القواعد وتخفض التشوهات قد تحصل، paradoxically، على موارد أكبر. أما ما إذا كانت هذه الوصفة قابلة للتكرار اليوم بالصيغة نفسها، فذلك يظل مرهونًا بظروف اقتصادية واجتماعية تختلف كثيرًا عن مصر منتصف العقد الأول من الألفية.
خلاصة المشهد
تصريحات يوسف بطرس غالي الأخيرة تعيد طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: هل كان خفض الضرائب في مصر مجرد مجازفة سياسية نجحت، أم نموذجًا إصلاحيًا يمكن البناء عليه؟ الثابت أن الرجل كان في قلب القرار، وأن قانون 91 لسنة 2005 بقي أحد أبرز عناوين مرحلته. والثابت أيضًا أن علاقة السياسة بالاقتصاد، كما تكشفها روايته عن مبارك، كانت أوثق بكثير مما تبدو عليه في النصوص الرسمية.
في النهاية، قد يختلف كثيرون حول إرث تلك المرحلة، لكن يصعب إنكار أن ملف الضرائب الذي عاد غالي للحديث عنه في 16 و17 يوليو 2026 ما زال حتى الآن واحدًا من أكثر ملفات الإصلاح الاقتصادي إثارة للجدل في الذاكرة المصرية.