Akhbar Cairo

يوسف عامر: محاور منتدى مصر تنطلق من المقاصد العليا

رؤية دينية لمجال عام يتسع لقضايا الدولة

أعاد الدكتور يوسف السيد يوسف عامر، رئيس لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ، طرح مقاربة تربط بين المجال الديني وقضايا الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن محاور «منتدى مصر» تدور في إطار المقاصد العليا للشريعة، وهي مقاربة تضع النقاش العام في مساحة أوسع من الوعظ التقليدي، لتتصل ببناء الإنسان، وترسيخ القيم، ودعم مسار التنمية.

وتأتي تصريحات عامر في سياق مصري يشهد استعدادات واسعة لانعقاد «منتدى مصر 2026»، الذي أعلنت الحكومة أن فعالياته مقررة خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر 2026، بعد إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكتروني المخصص للمشاركة المجتمعية وتسجيل الحضور.

من هو يوسف عامر؟

يُعد الدكتور يوسف عامر من الأسماء المعروفة في الدوائر الأكاديمية والدينية والبرلمانية؛ فهو نائب سابق لرئيس جامعة الأزهر، كما يتولى رئاسة لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ. وأظهرت نتائج انتخابات هيئات مكاتب اللجان النوعية بالمجلس، المُعلنة في 6 أكتوبر 2026، استمراره رئيسًا للجنة خلال دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثاني.

هذا الموقع البرلماني يمنح تصريحاته وزنًا خاصًا، لأن لجنة الشئون الدينية والأوقاف تُعد من اللجان المرتبطة بملفات الدعوة، وتنظيم الشأن الديني، وقضايا الوقف، وتجديد الخطاب الديني، وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع ما يُطرح داخل المنتدى من قضايا قيمية ومجتمعية.

ماذا تعني «المقاصد العليا للشريعة» في هذا السياق؟

عندما يتحدث رئيس اللجنة عن أن محاور المنتدى تتحرك في فلك المقاصد العليا للشريعة، فهو يشير إلى تصور يربط بين الشريعة ومصالح الناس العامة، لا باعتبارها أحكامًا جزئية فقط، بل باعتبارها منظومة تستهدف حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والكرامة الإنسانية. هذا الفهم سبق أن عبّر عنه عامر في أكثر من مناسبة عامة، عندما ربط بين الخطاب الديني وصناعة الحضارة، وحماية الهوية، وخدمة المجتمع.

ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن التعليم، والثقافة، والقيم الاجتماعية، والشباب، والعمل، والتنمية، حديثًا لا ينفصل عن التصور الديني الذي يضع مصلحة الإنسان واستقرار المجتمع في قلب الأولويات. ولهذا تبدو الإشارة إلى المقاصد الشرعية في ملف مثل «منتدى مصر» رسالة تتجاوز الإطار النظري إلى محاولة إسناد النقاش الوطني بمنطق قيمي منضبط.

منتدى مصر 2026.. أرقام وتحضيرات رسمية

بحسب ما أعلنه المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، فإن موقع «منتدى مصر 2026» سجل خلال الأيام الخمسة الأولى من إطلاقه أكثر من 10 ملايين مشاهدة، وتجاوز عدد الزائرين 650 ألف زائر، فيما تخطى عدد المواطنين المسجلين 50 ألف مواطن. كما أُعلن أن المشاركات والمقترحات المقدمة عبر المنصة تجاوزت 10 آلاف مشاركة، جرى نشر أكثر من 2500 منها، موزعة على 19 قطاعًا.

وتوضح هذه الأرقام أن المنتدى لا يُقدَّم باعتباره فعالية نخبوية مغلقة، بل مساحة حوار أوسع تستهدف جمع آراء المواطنين والخبراء والمتخصصين. كما أن الحكومة أكدت أن باب التسجيل لحضور الجلسات يغلق في 12 أكتوبر 2026، على أن تُختار عينة من المشاركين تمثل تنوع المجتمع المصري جغرافيًا واجتماعيًا.

القطاعات التي حظيت باهتمام أكبر

  • التعليم جاء في مقدمة القطاعات من حيث عدد المشاركات.
  • الثقافة والإعلام احتلا مركزًا متقدمًا بين أولويات المشاركين.
  • سوق العمل ظهر ضمن أبرز الملفات المطروحة.
  • الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تصدر القطاعات من حيث عدد المشاهدات على المنصة.

هذه المؤشرات تكشف أن النقاش العام في مصر يميل إلى القضايا المرتبطة مباشرة بحياة الأسر والشباب وفرص المستقبل، وهو ما يمنح حديث يوسف عامر عن «المقاصد العليا» بعدًا عمليًا، لأن هذه الملفات نفسها تتصل بمفاهيم حفظ العقل، وصيانة الكرامة، وتحقيق المصلحة العامة.

المنتدى بين الدولة والمجتمع

الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكتروني الخاص بالمنتدى مطلع أكتوبر 2026، داعيًا مؤسسات الدولة والخبراء والمواطنين إلى المشاركة وتسجيل المقترحات. وفي موازاة ذلك، عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعات متابعة مع الوزراء المعنيين بعدد من الجلسات، بينها ملفات الطاقة والحماية المجتمعية، ضمن التحضير لانعقاد المنتدى.

هذا المسار يعكس أن المنتدى يُراد له أن يكون أداة استماع وتقييم ومراجعة للسياسات العامة، وليس مجرد منصة خطابية. ومن هنا تبدو قراءة رئيس لجنة الشئون الدينية والأوقاف ذات دلالة؛ إذ تضع الحوار الوطني الجاري ضمن إطار أخلاقي وفكري يعتبر أن إدارة الشأن العام يجب أن تراعي الإنسان في معيشته وتعليمه وقيمه واستقراره.

لماذا يحمل التصريح أهمية خاصة في مصر؟

في الحالة المصرية، يكتسب الربط بين المقاصد الشرعية ومحاور العمل الوطني حساسية خاصة، لأن الدولة خلال السنوات الأخيرة أكدت مرارًا أولوية تجديد الخطاب الديني، ومواجهة الأفكار المتشددة، وتقديم فهم ديني يساند التنمية ولا يعطلها. كما أن وزارة الأوقاف المصرية، برئاسة الدكتور أسامة الأزهري، تُعرّف نفسها بصفتها جهة حكومية تنهض بشئون الدعوة داخل مصر وخارجها، وتنظم العمل في المساجد، وتسهم في بناء الشخصية المصرية وفق رؤية الدولة.

لذلك، فإن الإشارة إلى أن محاور «منتدى مصر» تدور في فلك المقاصد العليا للشرع يمكن فهمها باعتبارها جزءًا من خطاب أوسع يسعى إلى تأكيد أن الدين ليس منفصلًا عن قضايا الوطن، وأن القيم الدينية، عندما تُقرأ في إطارها المقاصدي، يمكن أن تساند ملفات التعليم، والثقافة، والعمل، والتماسك الاجتماعي.

بين الخطاب والممارسة

التحدي الأهم يبقى في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وتوصيات قابلة للتنفيذ. فإذا كان المنتدى يستقبل آلاف المقترحات من المواطنين، ويستند إلى جلسات تحضيرية وورش عمل مع مراكز فكر وخبراء، فإن القيمة الحقيقية ستظهر في قدرة هذه العملية على إنتاج أولويات واضحة ومخرجات عملية.

ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات يوسف عامر بمثابة محاولة لتأطير النقاش العام أخلاقيًا وفكريًا: أي أن التنمية لا تُقاس فقط بالأرقام، بل أيضًا بمدى خدمتها للإنسان، وحفظها للهوية، وتحقيقها للاستقرار والعدالة الاجتماعية. وهي معانٍ تلامس، بصورة مباشرة، المفهوم الذي يطرحه عن المقاصد العليا للشريعة.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية في تصريح رئيس لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ هي أن «منتدى مصر»، رغم تنوع ملفاته، يمكن قراءته من منظور جامع يربط بين الدين ومصلحة المجتمع والدولة. ومع اقتراب موعد انعقاد منتدى مصر 2026 في النصف الثاني من أكتوبر، تبدو هذه المقاربة جزءًا من الجدل المصري الأوسع حول كيفية بناء سياسات عامة تستند إلى المعرفة، وتستوعب صوت المواطنين، وتحافظ في الوقت نفسه على منظومة القيم والهوية الوطنية.