112 دولة تؤيد القرار المصري في الوكالة الذرية بشأن الشرق الأوسط
دعم دولي واسع لقرار مصري داخل الوكالة الذرية
سجلت مصر حضوراً دبلوماسياً لافتاً في أعمال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، بعدما اعتمد المؤتمر القرار السنوي الذي تتقدم به القاهرة بشأن تطبيق ضمانات الوكالة على جميع المنشآت النووية في الشرق الأوسط. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية المصرية، حصل القرار على تأييد 112 دولة، من دون أن تصوت أي دولة ضده، في نتيجة تعكس استمرار التأييد الدولي للمطلب المصري المرتبط بإخضاع كل المنشآت النووية في المنطقة لنظام الضمانات الشاملة دون استثناء.
ويأتي اعتماد القرار في وقت تواصل فيه القاهرة الدفع بملف إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط باعتباره أحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية في المحافل متعددة الأطراف، خاصة داخل الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ما الذي يعنيه القرار المصري؟
يركز القرار على مبدأ واضح: لا ينبغي أن تبقى أي منشأة نووية في الشرق الأوسط خارج إطار الرقابة والضمانات المعتمدة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن المنظور المصري، فإن هذا الطرح لا يرتبط فقط بالالتزامات الفنية الخاصة بعدم الانتشار، بل يتصل أيضاً ببناء بيئة أمنية أكثر توازناً في منطقة تشهد توترات مزمنة وملفات حساسة تمس الأمن الإقليمي والدولي.
وتؤكد القاهرة بصورة متكررة أن تعميم نظام الضمانات الدولية على كل دول المنطقة، إلى جانب دعم عالمية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يمثلان مدخلاً ضرورياً لأي مسار جاد نحو شرق أوسط أكثر استقراراً. كما ترى مصر أن هذه المقاربة تتسق مع قرار عام 1995 الخاص بالشرق الأوسط، ومع الجهود الأممية المستمرة لإقامة منطقة خالية من السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل.
تفاصيل التصويت ورسالة القاهرة
البيان الرسمي الصادر في الجمعة 18 سبتمبر 2026 أوضح أن اعتماد القرار جرى بأغلبية كبيرة، مع تأييد 112 دولة وعدم تصويت أي دولة ضده. وهذا الرقم يكتسب أهمية سياسية لأنه يشير إلى أن الطرح المصري لا يزال يحظى بقاعدة دعم واسعة داخل الوكالة، حتى مع تعقيدات المشهد الإقليمي وتباين مواقف بعض الأطراف بشأن قضايا نزع السلاح وعدم الانتشار.
ويقود الوفد المصري في فيينا السفير محمد نصر، سفير مصر لدى النمسا ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، والذي يتولى أيضاً متابعة هذا الملف داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما شاركت في الوفد المصري خلال أعمال الدورة السبعين شخصيات فنية ورقابية معنية بقطاع الطاقة النووية، من بينها الدكتور هاني خضر رئيس هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، والمهندس شريف حلمي رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، والدكتور نادر محمد القائم بأعمال رئيس هيئة الطاقة الذرية المصرية.
لماذا يحظى الملف بأهمية خاصة بالنسبة لمصر؟
بالنسبة لمصر، لا يُنظر إلى هذا القرار باعتباره إجراءً بروتوكولياً يتكرر سنوياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من مسار طويل تتبناه الدولة للدفاع عن مبدأ الأمن المتكافئ في الشرق الأوسط. فالقاهرة تطرح منذ سنوات ضرورة ألا تظل قواعد عدم الانتشار النووي انتقائية، وأن تشمل جميع الدول والمنشآت في المنطقة دون استثناء.
وتربط مصر بين هذا المسار وبين حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية تحت رقابة الوكالة ووفق قواعد الأمان والأمن النوويين. ومن هنا، تحرص القاهرة على إظهار التزامها الداخلي أيضاً بالمعايير الدولية في المجال النووي، سواء على مستوى الرقابة أو السلامة أو التعاون الفني مع الوكالة.
مصر والوكالة الذرية: تعاون فني ورسالة سياسية
التحرك المصري داخل الوكالة لا يقتصر على ملف الضمانات فقط. فالعلاقة بين القاهرة والوكالة تشمل برامج تعاون فني في مجالات الصحة، وعلاج الأورام، والزراعة، وأمن الغذاء، والتدريب، إلى جانب دعم البرنامج النووي السلمي المصري. وفي هذا السياق، كانت وزارة الخارجية قد أعلنت في سبتمبر 2024 تقديم السفير محمد نصر أوراق اعتماده إلى المدير العام للوكالة رافائيل ماريانو جروسي، مع تأكيد الجانبين أهمية مواصلة التعاون المؤسسي والفني.
كما أبرزت مصر خلال مشاركتها في أعمال المؤتمر العام هذا العام أنها استضافت في يونيو 2026 بعثة المراجعة الرقابية المتكاملة التابعة للوكالة، والتي انتهت - بحسب البيان الرسمي المصري - إلى أن لدى مصر منظومة رقابية شاملة وراسخة في مجال الأمان النووي والإشعاعي. ويُضاف إلى ذلك مشاركة مصر، للمرة الأولى، في المؤتمر الاستعراضي لاتفاقية الأمان النووي، وهو ما تستخدمه القاهرة للتأكيد على أن دعوتها لتطبيق الضمانات إقليمياً تنطلق من التزام عملي بالمعايير الدولية داخل حدودها.
الضبعة في الخلفية.. لكن العنوان هو عدم الانتشار
ورغم أن مشروع محطة الضبعة النووية يظل أحد أبرز ملفات الطاقة في مصر، فإن سياق القرار المعتمد في فيينا يتصل أساساً بملف عدم الانتشار والضمانات الإقليمية. ومع ذلك، فإن تقدم المشروع المصري السلمي يمنح القاهرة مساحة أكبر للتأكيد على التمييز بين الاستخدام السلمي للطاقة النووية، الذي تكفله القواعد الدولية، وبين أي مسارات عسكرية أو غير خاضعة للرقابة.
هذا التمييز مهم بالنسبة للرأي العام المصري أيضاً، لأنه يوضح أن القاهرة تدفع في اتجاهين متوازيين: الأول هو تطوير برنامج وطني سلمي للطاقة النووية من أجل التنمية، والثاني هو المطالبة ببيئة إقليمية أكثر انضباطاً وشفافية في ما يتعلق بكل المنشآت النووية في الشرق الأوسط.
ما الخطوة التالية بعد قرار فيينا؟
بحسب ما أعلنته الجهات المصرية الرسمية، ترى القاهرة أن الدورة السابعة لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، والمقررة في نوفمبر 2026 بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، تمثل محطة مهمة للبناء على الزخم الذي وفره تصويت الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومن المتوقع أن تواصل مصر خلال المرحلة المقبلة حشد الدعم لهذا المسار عبر الأمم المتحدة والوكالة الذرية معاً، مع التشديد على أن تحقيق الاستقرار الإقليمي لا ينفصل عن وجود قواعد موحدة وشفافة تُطبق على الجميع.
- القرار: تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جميع المنشآت النووية في الشرق الأوسط.
- عدد الدول المؤيدة: 112 دولة.
- تاريخ الإعلان الرسمي المصري: 18 سبتمبر 2026.
- مكان المؤتمر: فيينا، النمسا.
- رئيس الوفد المصري: السفير محمد نصر.
في المحصلة، يكشف التصويت الأخير داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن القرار المصري بشأن ضمانات الوكالة في الشرق الأوسط لا يزال يحظى بثقل سياسي معتبر. وبالنسبة لمصر، فإن هذا الدعم لا يُقرأ فقط بوصفه نجاحاً دبلوماسياً آنياً، بل كرسالة متجددة بأن مطلب إخضاع كل المنشآت النووية في المنطقة للرقابة الدولية يظل مطروحاً بقوة على أجندة الأمن الإقليمي.