29 دولة تقود ضغطًا غربيًا جديدًا على إيران بسبب هجمات خارجية
29 دولة تصعّد لهجتها ضد إيران في بيان مشترك تقوده واشنطن ولندن
دخلت المواجهة السياسية والأمنية بين إيران وعدد من الدول الغربية مرحلة أكثر حدة، بعد صدور بيان مشترك في 12 أكتوبر 2026 عن 29 دولة تقوده الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يتهم طهران باستخدام أساليب عدائية على أراضي تلك الدول، من بينها التخطيط لهجمات قاتلة، وإضرام حرائق، والتخريب، والهجمات السيبرانية، وأنشطة هجينة أخرى. البيان عكس مستوى غير مسبوق من التنسيق بين عواصم غربية وأوروبية وأطلسية في ملف تعتبره هذه الدول مرتبطًا مباشرة بأمنها الداخلي وسيادتها.
وبحسب النص المنشور من الحكومة البريطانية، فإن الدول الموقعة قالت إنها تدين «بأشد العبارات» ما وصفته باستخدام إيران لوسائل عنيفة ضدها وضد شركائها، مؤكدة أن أي محاولة لتهديد أو إسكات أو ترهيب أو مضايقة أو إيذاء أفراد على أراضيها، سواء عبر وكلاء أو بوسائل أخرى، أمر غير مقبول وسيقابل بإجراءات لكشف هذه الأنشطة والتحقيق فيها وتعطيلها وملاحقة المسؤولين عنها.
ما الذي ورد في البيان؟
البيان لم يكتفِ بإدانة عامة، بل استخدم صياغة مباشرة تشير إلى نمط من الأنشطة المنسوبة لإيران خارج حدودها. وضمّت قائمة الأفعال المذكورة في النص:
- التخطيط لعمليات فتاكة
- إضرام الحرائق
- أعمال التخريب
- الهجمات الإلكترونية
- أنشطة هجينة تُنفذ عبر شبكات سرية أو أطراف وسيطة
كما أشار البيان إلى أن هذه المواقف تأتي بعد موجة هجمات حديثة شهدتها أوروبا واستهدفت جاليات يهودية وصحفيين إيرانيين ومصالح أمريكية. وفي لهجة موحدة، شددت الدول الموقعة على أنها ستعزز التنسيق في ما بينها لحماية المجتمعات داخل أراضيها ومحاسبة المتورطين.
من هي الدول المشاركة في البيان؟
وفق النسخة المنشورة رسميًا في لندن، شملت قائمة الدول الموقعة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى جانب عدد كبير من الدول الأوروبية والغربية، منها: أستراليا، النمسا، بلجيكا، بلغاريا، كندا، كرواتيا، التشيك، الدنمارك، إستونيا، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، المجر، آيسلندا، أيرلندا، إيطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورغ، مالطا، هولندا، نيوزيلندا، النرويج، البرتغال، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، وإسبانيا والسويد. هذا الاتساع في عدد الموقعين مهم سياسيًا، لأنه يوضح أن القضية لم تعد محصورة في خلاف ثنائي بين طهران وعاصمة غربية بعينها، بل تحولت إلى ملف أمني جماعي.
قاعدة راف فيرفورد في قلب التطورات
أحد أبرز عناصر البيان كان إشارته إلى تبني الدول الموقعة لما أعلنته بريطانيا بشأن حادث قاعدة راف فيرفورد في مقاطعة غلوسترشير يوم 27 سبتمبر 2026. الحكومة البريطانية قالت إن هذا الحادث يُظهر استمرار استعداد الحرس الثوري الإيراني لإسقاط أنشطة عدائية خارج إيران عبر شبكات سرية ووكلاء.
وقاعدة راف فيرفورد تعد موقعًا عسكريًا حساسًا في بريطانيا، واكتسبت أهمية إضافية خلال الأشهر الماضية بسبب استخدامها من قبل الولايات المتحدة في سياق عملياتها العسكرية المرتبطة بالتوتر مع إيران. ولهذا، فإن أي تهديد يطال القاعدة يُقرأ غربيًا على أنه يتجاوز البعد المحلي البريطاني إلى البعد الأطلسي الأوسع.
ما الذي جرى قرب القاعدة البريطانية؟
التقارير المتطابقة الصادرة خلال الأيام الماضية أفادت بأن السلطات البريطانية فتحت تحقيقًا واسعًا بعد حادث أمني قرب القاعدة في أواخر سبتمبر. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن عشرات السكان أُخليت منازلهم يوم 27 سبتمبر 2026 مع انتشار الشرطة المسلحة وخبراء إبطال المتفجرات في المنطقة المحيطة بالقاعدة. كما أشارت تقارير لاحقة إلى أن عدد الموقوفين في إطار التحقيق وصل إلى سبعة أشخاص.
وتعطي هذه التفاصيل وزنًا إضافيًا للبيان الجماعي، لأنه لا يأتي في فراغ دبلوماسي، بل في سياق تحقيقات أمنية فعلية تمضي على الأرض داخل بريطانيا. وبالنسبة للقارئ في مصر وشمال أفريقيا، فإن هذا النوع من التصعيد يهم المنطقة مباشرة، لأن أي توتر إضافي بين إيران والغرب ينعكس على أمن البحر الأحمر، وحركة الطاقة، وأسعار الشحن، ومسارات التجارة التي تمر عبر الممرات الحيوية القريبة من القارة الأفريقية.
لماذا يهم هذا التطور القارة الأفريقية؟
رغم أن البيان يركز على أحداث وقعت في أوروبا وأمريكا الشمالية، فإن أثره السياسي يتجاوز تلك الجغرافيا. فالقارة الأفريقية، ولا سيما دول الشمال والشرق الأفريقي، تراقب عن قرب أي تصعيد يتعلق بإيران والدول الغربية لعدة أسباب. أولها أن خطوط التجارة والطاقة بين أوروبا وآسيا تمر عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وهي شرايين حيوية للاقتصاد المصري والأفريقي. وثانيها أن أي توتر أمني واسع قد يدفع إلى مزيد من الاستقطاب الدولي في مناطق مجاورة لأفريقيا مثل الخليج والقرن الأفريقي.
كما أن تصاعد الحديث الغربي عن الهجمات السيبرانية والأنشطة الهجينة يهم دول أفريقيا التي تعمل حاليًا على رفع جاهزيتها الرقمية. فالهجمات الإلكترونية لم تعد قضية تخص العواصم الكبرى فقط، بل أصبحت جزءًا من حسابات الأمن القومي في الدول النامية أيضًا، خاصة مع توسع الاعتماد على البنية التحتية الرقمية في قطاعات البنوك والاتصالات والطاقة والموانئ.
بيانات سابقة وتمهيد للتشدد الحالي
اللافت أن بيان 12 أكتوبر لم يأتِ من العدم. ففي 10 يونيو 2026 نشرت الحكومة البريطانية بيانًا مشتركًا آخر باسم 24 دولة أدان ما وصفته بتهديدات مرتبطة بأجهزة أمن إيرانية، وتحديدًا أنشطة منسوبة إلى منظمة استخبارات الحرس الثوري وفيلق القدس ووزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية. ذلك البيان تحدّث أيضًا عن استهداف معارضين إيرانيين وصحفيين وجاليات يهودية وإسرائيلية ومصالح أمريكية في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.
هذا التسلسل يوضح أن الموقف الغربي يتجه من الإدانة العامة إلى بناء ملف سياسي وأمني أكثر تفصيلًا، مع توسيع دائرة الدول المشاركة في تحميل طهران المسؤولية. وبعبارة أخرى، فإن بيان اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة ضمن مسار تصعيدي آخذ في الاتساع.
ماذا يعني ذلك سياسيًا؟
سياسيًا، يحمل البيان ثلاث رسائل رئيسية. الأولى أن الدول الغربية تريد إظهار جبهة موحدة في مواجهة ما تعتبره تهديدًا عابرًا للحدود. الثانية أن مسألة العمليات السرية والهجمات السيبرانية أصبحت في مرتبة قريبة من الاعتداءات التقليدية من حيث خطورتها السياسية. أما الرسالة الثالثة فهي أن ربط الحادث البريطاني الأخير بإيران يفتح الباب أمام خطوات لاحقة، قد تشمل تشديدًا دبلوماسيًا أو أمنيًا أو حتى عقوبات إضافية إذا توافرت أدلة رسمية تدعم هذه الاتهامات.
وفي المقابل، يبقى هذا الملف حساسًا لأنه يتصل مباشرة بواحد من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الأمن الداخلي الأوروبي، وتتشابك تداعياته مع المصالح الاقتصادية والممرات البحرية التي تهم مصر وأفريقيا على السواء.
خلاصة المشهد
البيان المشترك الذي تقوده واشنطن ولندن ضد إيران يعكس مستوى مرتفعًا من القلق الغربي من الأنشطة العدائية العابرة للحدود، سواء كانت مادية أو رقمية. ومع إدراج واقعة راف فيرفورد ضمن السياق الرسمي، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي خلال الفترة المقبلة. وبالنسبة لمتابعي الشأن الإقليمي في مصر وأفريقيا، فإن التطور الأهم ليس فقط في عدد الدول الموقعة، بل في اتساع تعريف التهديد ليشمل التخريب والهجمات السيبرانية والعمليات غير المباشرة، وهي أدوات باتت تلعب دورًا متزايدًا في صراعات النفوذ الدولية.