30 يونيو وإفريقيا: كيف أعادت مصر تموضعها في القارة؟
30 يونيو من زاوية إفريقية: لماذا يظل السؤال مطروحًا؟
يثير عنوان "ماذا لو لم تحدث 30 يونيو؟" نقاشًا سياسيًا واسعًا داخل مصر، لكن أهميته لا تتوقف عند الداخل فقط. فبالنسبة إلى القارة الإفريقية، تبدو 30 يونيو 2013 نقطة فاصلة في مسار استعادة القاهرة لحضورها الإقليمي، بعد سنوات اتسمت بارتباك داخلي انعكس على مستوى الانخراط المصري في الملفات الإفريقية. ومن هنا، فإن طرح السؤال من منظور إفريقي لا يتعلق فقط بما جرى داخل الدولة المصرية، بل بما ترتب عليه أيضًا في دوائر الحركة خارج الحدود، خصوصًا في الاتحاد الإفريقي ودوائر الأمن والتنمية والتعاون الاقتصادي.
القراءة الموضوعية لهذا السؤال لا تقوم على افتراضات مجردة، بل على تتبع ما حدث بالفعل بعد 2013: كيف تحركت الدولة المصرية لاستعادة اتصالها المؤسسي بالقارة؟ وما الذي تغيّر في ملفات مثل الاتحاد الإفريقي، تجمع الكوميسا، ومنتديات السلم والتنمية في إفريقيا؟
من التجميد إلى استئناف النشاط داخل الاتحاد الإفريقي
بعد أحداث 2013، جُمّدت مشاركة مصر في أنشطة الاتحاد الإفريقي لفترة قصيرة، قبل أن تُستأنف مشاركتها على مستوى القمة خلال اجتماعات مالابو في غينيا الاستوائية يومي 26 و27 يونيو 2014. هذه العودة السريعة نسبيًا لم تكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل كانت مؤشرًا على أن القاهرة وضعت استعادة موقعها الإفريقي ضمن أولوياتها السياسية والدبلوماسية.
وفي السنوات التالية، لم يقتصر الأمر على إنهاء آثار التجميد، بل تطور إلى محاولة إعادة بناء دور مصري أكثر فاعلية داخل مؤسسات القارة. وتُظهر المواد التعريفية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر اعتبرت البعد الإفريقي جزءًا مركزيًا من أمنها القومي، وأن مرحلة ما بعد 2013 شهدت تحركًا منتظمًا لإحياء هذا المسار عبر الزيارات والقمم وآليات التعاون المؤسسي.
2019.. محطة مفصلية في عودة مصر إلى الواجهة الإفريقية
الاختبار الأبرز لهذا المسار جاء في 10 فبراير 2019، حين تسلمت مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي خلال القمة العادية الثانية والثلاثين في أديس أبابا. ووفق المواد الرسمية الخاصة بالاتحاد وتوثيق الهيئة العامة للاستعلامات، كانت تلك أول مرة تتولى فيها مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي منذ تأسيسه بصيغته الحالية عام 2002، كما جاءت بعد 26 عامًا من آخر مرة ترأست فيها القاهرة منظمة الوحدة الإفريقية قبل تطويرها إلى الاتحاد الإفريقي.
هذا التطور يحمل دلالة مهمة عند إعادة طرح سؤال: ماذا لو لم تحدث 30 يونيو؟ فالمؤكد أن عودة مصر إلى موقع الرئاسة القارية عام 2019 لم تكن حدثًا منفصلًا، بل نتيجة لمسار استعادة الدولة قدرتها على الحركة الخارجية وتنظيم أولوياتها الإقليمية. ومن منظور إفريقي، كانت تلك الرئاسة فرصة لتقديم رؤية مصرية أكثر حضورًا في قضايا السلم والأمن وإعادة الإعمار والتنمية العابرة للحدود.
ماذا أضافت رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي؟
- تعزيز الحضور السياسي: من خلال وضع القاهرة في موقع إدارة جدول أعمال قاري لمدة عام كامل.
- التركيز على التنمية والاستقرار: عبر الربط بين الأمن والتنمية في القارة بدل التعامل معهما كملفين منفصلين.
- إعادة تنشيط شبكات التعاون: سواء في المؤسسات السياسية أو الاقتصادية أو في المحافل متعددة الأطراف.
منتدى أسوان.. ترجمة عملية لربط السلم بالتنمية
أحد أبرز تجليات هذا التوجه كان إطلاق منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين. فخلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في 2019، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إطلاق المنتدى باعتباره منصة إفريقية تناقش التحديات الكبرى التي تواجه القارة، وعلى رأسها النزاعات، وبناء السلام، والتنمية المستدامة.
وانعقد المنتدى في أسوان خلال ديسمبر 2019، مع مشاركة رؤساء دول وحكومات ووزراء ومسؤولين وخبراء، وفق البيانات الرسمية المصرية. أهمية المنتدى أنه قدم مقاربة تقول إن معالجة الأزمات الإفريقية لا يمكن أن تتم أمنيًا فقط، بل يجب أن تُربط بالتنمية وخلق الفرص وتحسين قدرة الدول على الصمود. وهذه الفكرة نفسها منحت القاهرة مساحة أوسع للتأثير في نقاشات القارة، خاصة مع ما تمثله أسوان جغرافيًا ورمزيًا بوصفها بوابة مصر الجنوبية إلى إفريقيا.
الحضور الاقتصادي: من السياسة إلى شبكات المصالح
في البعد الاقتصادي، ارتبطت مرحلة ما بعد 30 يونيو أيضًا بمحاولة تنشيط الأدوات الإقليمية التي تربط مصر بأسواق القارة، ومن بينها الكوميسا. وتوضح البيانات الرسمية الخاصة بالتجمع أن مصر واصلت العمل داخل هذا الإطار، مع مبادرات ومشاركات اقتصادية وتجارية شملت دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع فرص الربط التجاري، ومنها إطلاق منصة "50 مليون امرأة إفريقية تتحدث" في مصر بالتعاون مع الكوميسا في 18 نوفمبر 2020.
صحيح أن العلاقات الاقتصادية المصرية الإفريقية لا تختزل في منصة واحدة أو قمة بعينها، لكن المسار العام يشير إلى أن القاهرة سعت إلى الانتقال من مجرد خطاب سياسي عن إفريقيا إلى توسيع شبكة المصالح العملية معها، سواء عبر التجارة أو الاستثمار أو ربط ملفات التنمية بالأمن الإقليمي.
إذا لم تحدث 30 يونيو.. ما الذي كان سيتأثر إفريقيًا؟
لا يمكن الجزم بسيناريو افتراضي على نحو قاطع، لكن مقارنة المسارين قبل 2013 وبعدها تسمح بقراءة سياسية واضحة: إن التحول الذي أعقب 30 يونيو ارتبط بعودة أكثر انتظامًا للدولة المصرية إلى الدوائر الإفريقية. فلو لم يقع ذلك التحول، كان من المرجح أن تستمر حالة الانشغال الداخلي والارتباك المؤسسي، بما يحد من قدرة مصر على استعادة زخمها في القارة، أو على الأقل يؤخره.
ومن الناحية العملية، يصعب تجاهل أن مصر انتقلت خلال سنوات قليلة من مرحلة تجميد مؤقت داخل الاتحاد الإفريقي إلى مرحلة رئاسته، ثم إلى إطلاق منصة إفريقية مثل منتدى أسوان، إلى جانب توسيع تحركها داخل أطر التعاون القاري. وهذا لا يعني غياب التحديات؛ فالعلاقات الإفريقية بطبيعتها معقدة، وتواجه ضغوطًا مرتبطة بالمنافسة الإقليمية، والمياه، والأمن، والاقتصاد، وتبدل أولويات الدول. لكن ما يمكن رصده بوضوح هو أن القاهرة استعادت موطئ قدم مؤثرًا بعد 2013، بدل البقاء في موقع الدفاع أو الغياب.
لماذا يهم هذا القارئ المصري اليوم؟
بالنسبة إلى القارئ في مصر، فإن الحديث عن 30 يونيو في القسم الإفريقي ليس خروجًا عن السياق، بل إعادة وضع الحدث في إطاره الأوسع. فإفريقيا ليست هامشًا في السياسة المصرية، بل عمق مباشر يرتبط بالأمن القومي، والمياه، والتجارة، وحركة الاستثمار، والربط اللوجستي، وحتى بصورة مصر الدبلوماسية في العالم.
لذلك، فإن سؤال "ماذا لو لم تحدث 30 يونيو؟" يكتسب في الملف الإفريقي معنى إضافيًا: ماذا كان سيحدث لموقع مصر في القارة؟ المؤشرات المتاحة حتى يونيو 2026 تقول إن ما بعد 30 يونيو شهد عودة مصر إلى المجال الإفريقي عبر مسار مؤسسي واضح، بدأ باستئناف النشاط داخل الاتحاد الإفريقي في 2014، وبلغ محطة بارزة مع رئاسة الاتحاد في 2019، ثم تُرجم إلى مبادرات مثل منتدى أسوان ومجالات تعاون اقتصادي وإقليمي متزايدة.
وهكذا، فإن الإجابة الأقرب إلى الوقائع ليست مجرد إجابة سياسية داخلية، بل إفريقية أيضًا: 30 يونيو، بصرف النظر عن اختلافات التقييم السياسي حولها، كانت نقطة مؤثرة في إعادة تموضع مصر داخل قارتها.