4 تحركات برلمانية لتقليل بيروقراطية الاستثمار في مصر
تحرك برلماني جديد لفتح المسار أمام الاستثمار
عاد ملف تيسير الاستثمار إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي في مصر، بعد طرح النائب سليمان وهدان مجموعة مقترحات تستهدف تقليص التعقيدات الإدارية وتسريع دورة الموافقات والتراخيص أمام المستثمرين. ويأتي هذا الطرح في لحظة إقليمية شديدة التنافس، إذ تسعى دول عربية عدة إلى جذب رؤوس الأموال عبر حوافز أسرع، وبنية تنظيمية أكثر مرونة، ما يجعل إصلاح البيئة الإجرائية في مصر جزءًا من سباق أوسع داخل المنطقة العربية على الاستثمار والتصنيع وسلاسل الإمداد.
ووفق ما أعلنه وهدان، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس النواب، خلال عرض رؤية الحزب أمام الحكومة في اجتماع لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مع رؤساء الهيئات البرلمانية، فإن الملف الاستثماري يحتاج إلى قرارات تنفيذية مباشرة، لا سيما في ما يتعلق بسرعة الإجراءات ووضوح الفرص وتحديد مدد زمنية لإصدار التراخيص، إلى جانب زيادة إتاحة الأراضي الصناعية للمشروعات الجديدة.
ما هي المقترحات الأربعة الأبرز؟
يمكن تلخيص جوهر الطرح البرلماني في أربعة مسارات رئيسية ترتبط مباشرة بمشكلة البيروقراطية التي يشكو منها المستثمرون منذ سنوات:
- أولًا: تسريع الإجراءات بحيث لا تظل رحلة المستثمر بين الجهات المختلفة مفتوحة زمنيًا بلا سقف واضح.
- ثانيًا: إعلان خريطة استثمارية أوضح لكل محافظة بما يربط بين المزايا النسبية المحلية والفرص المتاحة فعليًا.
- ثالثًا: تحديد مدد زمنية ملزمة لإصدار التراخيص بما يحول الوعود الإدارية إلى التزام قابل للقياس والمتابعة.
- رابعًا: طرح أراضٍ صناعية جديدة لدعم التوسع الإنتاجي وجذب استثمارات تبحث عن مواقع جاهزة وسريعة التخصيص.
هذه النقاط الأربع وردت ضمن رؤية أوسع عرضها وهدان شملت ملفات اقتصادية وخدمية أخرى، لكن الشق الاستثماري بدا الأكثر التصاقًا بأجندة النمو والتشغيل، خاصة مع رهان الحكومة على القطاع الخاص وزيادة مساهمته في النشاط الاقتصادي.
لماذا يكتسب الملف أهمية الآن؟
أهمية هذه المقترحات لا ترتبط فقط بالسوق المصرية، بل أيضًا بالمحيط العربي والإقليمي. فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت سرعة التأسيس والترخيص عنصرًا تنافسيًا حاسمًا في قرارات الشركات، سواء كانت صناعية أو لوجستية أو خدمية. وعندما تتأخر الموافقات، ترتفع تكلفة التمويل، وتتآكل جدوى المشروع، وقد تنتقل الاستثمارات إلى أسواق بديلة داخل المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تقليل البيروقراطية ليست مطلبًا إداريًا فحسب، بل أداة لتحسين موقع مصر في خريطة الاستثمار العربية والأفريقية، خصوصًا مع ما تمتلكه من سوق كبيرة، وموقع جغرافي يربط البحرين الأحمر والمتوسط، وممرات لوجستية مهمة في مقدمتها منطقة قناة السويس.
ما الذي تقوله المصادر الرسمية عن البنية الحالية؟
الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة تؤكد، عبر منصاتها الرسمية، أنها تقدم خدمات التأسيس واعتماد الوثائق وتسجيل الأصول وغيرها من الإجراءات من خلال مراكز خدمات المستثمرين، كما تشير إلى وجود 14 فرعًا لهذه المراكز في محافظات مختلفة، من بينها القاهرة والإسكندرية وأسيوط وسوهاج وبورسعيد والإسماعيلية، في إطار تقريب الخدمة من المستثمرين وتقليل الحاجة إلى التنقل بين أكثر من جهة.
وتوضح الهيئة أيضًا أن هذه المراكز تضم ممثلين عن أكثر من 60 جهة حكومية، وأنها أتاحت خدمات إلكترونية عبر بوابتها الرسمية لتقديم الطلبات ومتابعتها، وهو ما يعكس أن جزءًا من البنية المؤسسية للتيسير قائم بالفعل، لكن التحدي الحقيقي يبقى في سرعة التنفيذ الفعلي وتوحيد مسار القرار من جهة، وضمان التزام جميع الجهات بنفس الإطار الزمني من جهة أخرى.
الشباك الواحد بين النظرية والتطبيق
من النقاط التي تتكرر في كل نقاش حول الاستثمار داخل مصر، فكرة الشباك الواحد. فالمستثمر لا يهمه فقط وجود جهة استقبال، بل أن تنتهي معاملته من خلالها دون أن يعود مرة أخرى إلى الحلقة التقليدية من المخاطبات الورقية والانتظار غير المحدد.
وفي هذا السياق، يصبح طرح وهدان منسجمًا مع مطالب سوق الأعمال: المطلوب ليس مجرد عنوان إداري موحد، بل منظومة قرار موحدة تختصر الزمن، وتقلل التقدير الشخصي، وتربط كل خطوة بتتبع رقمي واضح. وكلما اقتربت مصر من هذا النموذج، ازدادت قدرتها على منافسة مراكز جذب الاستثمار في العالم العربي.
خريطة استثمارية لكل محافظة: ماذا تعني عمليًا؟
الدعوة إلى إعلان خريطة استثمارية واضحة لكل محافظة تحمل بعدًا مهمًا يتجاوز الترويج العام. فالمستثمر، المحلي أو العربي أو الأجنبي، يحتاج إلى معرفة دقيقة: ما الأراضي المتاحة؟ ما المرافق القائمة؟ ما القطاعات ذات الأولوية؟ وما زمن الحصول على التخصيص والتشغيل؟
ربط المحافظات بفرص محددة يمكن أن يحقق فائدتين في وقت واحد: الأولى تخفيف الضغط عن المراكز التقليدية الكبرى، والثانية توجيه الاستثمارات إلى مناطق تملك مزايا إنتاجية أو لوجستية لم تُستغل بعد بالشكل الكافي. وهذا مهم أيضًا في إطار التنمية المتوازنة، بحيث لا تبقى الجاذبية الاستثمارية محصورة في عدد محدود من النقاط.
الأراضي الصناعية عنصر حاسم في المنافسة
ضمن المقترحات الأربعة، يبرز ملف طرح أراضٍ صناعية جديدة باعتباره من أكثر الملفات التصاقًا بالتصنيع والتشغيل. فالكثير من الشركات لا تتوقف فقط عند الحوافز الضريبية، بل تبدأ بسؤال عملي: هل الأرض متاحة؟ وهل المرافق جاهزة؟ وهل إجراءات التخصيص واضحة؟
وفي ظل سعي مصر إلى توسيع قاعدتها الإنتاجية وزيادة الصادرات، فإن تسريع تخصيص الأراضي الصناعية قد يكون عاملًا مؤثرًا في جذب استثمارات عربية تبحث عن التوسع في سوق كبير وعلى مقربة من موانئ ومحاور تجارة إقليمية.
هل تكفي المقترحات وحدها؟
أهمية ما طُرح برلمانيًا تكمن في أنه يعيد صياغة الأولويات بصورة مباشرة وقابلة للفهم: وقت أقل، أوراق أقل، جهات أقل، ووضوح أكبر. لكن نجاح هذه الرؤية يتوقف على تحويلها إلى أدوات تنفيذ ومتابعة ومحاسبة. فالإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بعدد الأيام التي يختصرها المستثمر في رحلة الترخيص والتشغيل.
كما أن أي تحسن ملموس في هذا الملف ستكون له آثار أوسع من حدود الاقتصاد الداخلي؛ لأنه ينعكس على صورة مصر الاستثمارية في العالم العربي، وعلى قدرتها في استقطاب شراكات وتمويلات ومشروعات إنتاجية جديدة في وقت تتسارع فيه المنافسة الإقليمية على رأس المال.
خلاصة المشهد
المقترحات التي طرحها النائب سليمان وهدان تضع يدها على جوهر المشكلة: البيروقراطية ما زالت تلتهم جزءًا من ميزة مصر الاستثمارية. وإذا جرى البناء على ما هو قائم بالفعل داخل الهيئة العامة للاستثمار من مراكز خدمات وفروع ومنصات إلكترونية، مع فرض مدد زمنية ملزمة وتوسيع عرض الأراضي الصناعية وتحديث خرائط الفرص، فقد يتحول النقاش من الحديث عن العقبات إلى الحديث عن النتائج.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا تخص المستثمرين وحدهم، بل تمتد إلى فرص العمل والأسعار والإنتاج المحلي وقدرة الاقتصاد على جذب أموال جديدة. لذلك فإن أي خطوة ناجحة لتقليل البيروقراطية لن تكون مجرد إصلاح إداري، بل جزءًا من معركة أوسع لتحسين تنافسية مصر داخل محيطها العربي.