Akhbar Cairo

9 منتخبات أفريقية في دور الـ32: هل يبدأ نفوذ رياضي جديد؟

9 منتخبات أفريقية في دور الـ32.. لحظة تاريخية تتجاوز حدود النتائج

دخلت أفريقيا صيف 2026 من أوسع أبوابه الكروية، بعدما أعلن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم CAF يوم 28 يونيو 2026 تأهل 9 منتخبات أفريقية إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026، وهي: مصر، المغرب، السنغال، الجزائر، كاب فيردي، كوت ديفوار، جمهورية الكونغو الديمقراطية، غانا، وجنوب أفريقيا. ووصف رئيس الكاف باتريس موتسيبي ما حدث بأنه المرة الأولى التي يتأهل فيها 90% من المنتخبات الأفريقية المشاركة من دور المجموعات في تاريخ المونديال.

هذا الرقم ليس تفصيلة إحصائية عابرة، بل لحظة فارقة في علاقة أفريقيا بالنظام الرياضي العالمي. فالقارة التي طالما امتلكت المواهب والكتلة التصويتية، لكنها عانت نسبيًا في تحويل ذلك إلى نفوذ مؤسسي مستدام، تجد نفسها الآن أمام فرصة نادرة: إنجاز رياضي جماعي في أكبر مسرح كروي، بالتزامن مع توسع البطولة إلى 48 منتخبًا واعتماد دور جديد هو دور الـ32 بعد صعود أول وثاني كل مجموعة مع أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث.

من صعود مصر إلى ثبات المغرب.. ماذا تقول الوقائع؟

بالنسبة للقارئ المصري، يظل صعود منتخب مصر أحد أهم ملامح هذه اللحظة. ووفق عرض الكاف لمسار المنتخبات المتأهلة، أنهى المنتخب المصري دور المجموعات دون هزيمة بعد التعادل مع بلجيكا 1-1، والفوز على نيوزيلندا 3-1، ثم التعادل مع إيران 1-1، ليضرب موعدًا مع أستراليا يوم 3 يوليو 2026 في دور الـ32.

أما المغرب، الذي تحول منذ مونديال 2022 إلى مرجع أفريقي في إدارة المشروع الكروي، فقد واصل حضوره القوي بعبور دور المجموعات من دون خسارة أيضًا: تعادل 1-1 مع البرازيل، ثم فوز 1-0 على اسكتلندا و4-2 على هايتي. وسيواجه هولندا يوم 30 يونيو 2026. وفي المقابل، تأهلت السنغال رغم بداية صعبة، بعدما خسرت أمام فرنسا 3-1 والنرويج 3-2، قبل فوز كاسح على العراق 5-0، لتواجه بلجيكا يوم 1 يوليو.

المغزى هنا أن التأهل الأفريقي لم يأتِ من منتخب أو اثنين فقط، بل من طيف واسع يعكس تنوع المدارس والخبرات: مصر بالخبرة والانضباط، المغرب بالاستمرارية الفنية، السنغال بالقوة البدنية والارتداد، كوت ديفوار بالتوازن، وكاب فيردي وجنوب أفريقيا بقدرة مفاجِئة على كسر التوقعات.

لماذا يعد هذا الزخم مختلفًا هذه المرة؟

من السهل ردّ الإنجاز إلى مجرد توسع عدد المشاركين في كأس العالم، لكن هذا تفسير ناقص. نعم، نظام 2026 الجديد منح مساحات أكبر للعبور، لكنه لم يمنح أحدًا نتائج مجانية. الكاف نفسه أرجع هذا التطور إلى الاستثمار في تطوير الناشئين، والتدريب، والدوريات الاحترافية، والبنية التحتية، إلى جانب تحسينات في الحوكمة والشفافية والإدارة والمراجعة المالية ساعدت على جذب رعاة وشركاء جدد.

وتدعم ذلك أرقام المؤسسة نفسها. ففي 6 أكتوبر 2025 أعلن الكاف العودة إلى الربحية بتحقيق صافي ربح 9.48 مليون دولار عن السنة المالية 2023-2024، مع توجيه الإنفاق إلى 81 مليون دولار جوائز مالية، و35 مليون دولار لتطوير كرة القدم، و19 مليون دولار لتنظيم البطولات. هذه ليست مجرد محاسبة؛ إنها قاعدة نفوذ. لأن القارة التي تتحسن ماليًا وتنظيميًا تصبح أقدر على التفاوض داخل دوائر القرار الدولي.

هل يتحول النجاح الرياضي إلى نفوذ قاري؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: نعم، لكن بشروط. فالنظام الرياضي العالمي لا يتغير بالمشاعر، بل بتراكم القوة في أربعة مسارات: النتائج، المال، المؤسسات، والتحالفات. وعلى هذا المقياس، تبدو أفريقيا اليوم في وضع أفضل من سنوات سابقة.

1) النتائج تمنح الشرعية

عندما تضع أفريقيا 9 منتخبات في أول أدوار الإقصاء المباشر بالمونديال، فإنها لا تطلب الاعتراف بقدر ما تفرضه. هذه الشرعية مهمة في أي نقاش لاحق حول توزيع المقاعد، مواعيد البطولات، حقوق البث، أو تمثيل القارة في اللجان المؤثرة.

2) الإدارة الأفضل تفتح باب المال

خلال 2025 و2026، تحرك الكاف لتعزيز شراكاته التجارية. ففي 28 يناير 2025 تم تمديد الشراكة مع TotalEnergies لأربع سنوات إضافية، وهي شراكة تغطي أكثر من 1500 مباراة وعشر بطولات رئيسية للكاف. كما أعلن الكاف في 5 يونيو 2025 اتفاق رعاية جديد مع TECNO لبطولتي أمم أفريقيا 2025 و2027. وكلما ارتفعت القيمة التجارية للكرة الأفريقية، زادت قدرة القارة على حماية مصالحها بدل الاكتفاء بدور السوق الاستهلاكية للمواهب.

3) التحالفات الدولية تعني حضورًا في صناعة القرار

في 29 أبريل 2026 وقّع الكاف والاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA مذكرة تفاهم في فانكوفر لتعزيز التعاون والنمو وتطوير اللعبة بين المؤسستين. قد يبدو هذا خبرًا إداريًا، لكنه في الحقيقة إشارة إلى أن أفريقيا لم تعد فقط طرفًا تابعًا يطلب الدعم، بل شريكًا تفاوضيًا له وزن رياضي وتجاري متصاعد.

4) البعد القاري موجود أصلًا في خطاب الاتحاد الأفريقي

الاتحاد الأفريقي نفسه ينظر إلى الرياضة بوصفها عنصرًا ثقافيًا وتنمويًا، ويؤكد أن مساهمة أفريقيا في الرياضة العالمية يجب أن تكون متوازنة وديمقراطية. كما يطرح المجلس الرياضي للاتحاد الأفريقي كآلية لتنسيق الحركة الرياضية الأفريقية والدفاع عن تطوير الرياضة وتمويلها على مستوى القارة. وهذا يعني أن كرة القدم يمكن أن تصبح أداة نفوذ ناعمة ضمن مشروع قاري أوسع، لا مجرد ترفيه جماهيري.

لكن ما الذي يمنع القفزة الكاملة؟

رغم الصورة المشرقة، لا تزال هناك فجوة بين النجاح داخل الملعب والنفوذ خارج الملعب. أفريقيا تصدّر لاعبين كبارًا، لكنها لا تزال في حاجة إلى مزيد من السيطرة على سلاسل القيمة: أكاديميات محلية أقوى، دوريات أكثر جذبًا، حقوق بث أفضل تسعيرًا، وملاعب ومنظومات تحكيم وإدارة قادرة على تثبيت الجودة.

كذلك، فإن النفوذ القاري لا يُبنى فقط عبر كرة القدم الرجالية الأولى. إذا أرادت أفريقيا تحويل لحظة مونديال 2026 إلى قوة مستدامة، فعليها ربطها بملفات كرة القدم النسائية، والناشئين، والبنية التحتية، والتصنيع الرياضي، والحوكمة. من دون ذلك، قد يظل الإنجاز تاريخيًا لكنه محدود الأثر.

ماذا يعني ذلك لمصر وأفريقيا؟

من منظور مصري، يمنح هذا المشهد القاهرة فرصة لقراءة أوسع لدورها داخل أفريقيا. فنجاح منتخب مصر في العبور، إلى جانب صعود المغرب والسنغال وبقية المنتخبات، يضع الكرة الأفريقية أمام لحظة تفاوضية نادرة. وإذا أحسنت الاتحادات والحكومات والمؤسسات الرياضية استثمارها، يمكن أن تتحول إلى ضغط مشروع من أجل تمثيل أقوى، وشروط تجارية أفضل، وبرامج تنموية أكثر اتساعًا داخل القارة.

الخلاصة أن صعود 9 منتخبات أفريقية إلى دور الـ32 في مونديال 2026 ليس نهاية القصة، بل بدايتها. النفوذ القاري الجديد لن يولد تلقائيًا من فرحة المدرجات، لكنه بات ممكنًا أكثر من أي وقت مضى. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تملك أفريقيا ما يكفي من النتائج، والرمزية، والكتلة، والمال النسبي، والتحالفات لكي تقول في النظام الرياضي العالمي: نحن لسنا فقط حاضرين في البطولة، بل حاضرين أيضًا في صياغة مستقبلها.

  • المنتخبات الأفريقية المتأهلة إلى دور الـ32: مصر، المغرب، السنغال، الجزائر، كاب فيردي، كوت ديفوار، جمهورية الكونغو الديمقراطية، غانا، جنوب أفريقيا.
  • مباراة مصر في دور الـ32: أستراليا ضد مصر، 3 يوليو 2026.
  • مباراة المغرب في دور الـ32: هولندا ضد المغرب، 30 يونيو 2026.
  • مباراة السنغال في دور الـ32: بلجيكا ضد السنغال، 1 يوليو 2026.